الثلاثاء، 18 أبريل 2017

ملاءات الظلام

بقلم / انثى المغيب 



يالروعة الانتشاء
 لحظة النظر اليك
ياللوعة الانفاس 
لحظة الصبا لصوتك
أجزم بأن شعرت بذلك
ستأتي حتماً
وستنزع مني 
نمارق الانتظار المبلله بالنشيج
وملاءات الظلام
عند احتباس الشهقات
وعند زفرات اليتم والغربه
وتجردني من بدني
لتحتضن روحي 
والنعيم بالارتطام المؤجلل
المؤجج خلف المسافات
والمسجون في معتقل الشرائع والتقاليد
سيدي
ألا يستحق مني هذا الحب 
ان أحزن
ألا يستحق ان 
اطوف البيت العتيق سنينا
الا يستحق ان اهرول خلفه
وان اعيش بغبار أثره
ألا يستحق ان تكون دموعي أمية
لاتفرق بين الحزن والفرح
حين ألقاك
ألا يستحق أن احب أعدائي
واعشق بلائي
ألايستحق ان انظر لجروحي
كفقاعات هواء
فقط لأنك هنا تركن خنجرا
بقلب القدر
انك هنا لأجلي
تصارع الشجن
انك ذلك الضوء الذي
اراه مقبلاً كلما فتح قلبي عينيه
وهتفت شفاهي حروف اسمك
ألا تستحق ان أنفي كل الذكور
وأن اتجاهل من لاأرى روعتهم وجمالهم
لأنك ملكت لقباً
لن يستحقه احداً غيرك
إنك أنت حبيبي 
وكفى

ريش الغربان



بقلم / انثى المغيب 

على درب النور
حيث كنت
تجاهلت انحناء سيقان الزهور
وانكسار نوافذ القصور
كانت هنا وشوشة الأحلام هلعة
وهمس الجدران منذعره
افزعها رعيد الظلام
كادت ان تموت الغربان
عند المرور خلف الشرفات
كادت أن تضطرب الغيوم
عند لمعة الدموع
 في قلب الليل
رغم بكاء المطر
ونياح الأجراس
ترتسم الابتسامه على وجهي
واتجاهل كل القصص
افتح البلور
فتنهار الشظايا
واتجاهل نزفاً بين اوردتي
عند مرور انفاسك
وتبقى نافذتي صديقة الشمس
التى تشرق أينما تريد
شمسٌ لاتعرف اليأس
كلما قبلها القمر
ظهرت للعالم بكامل أناقتها
وسأكون كالشمس
لطالما تنفستك
وأحيى القدر فيّ روحا 
من ريش الغربان

الأحد، 16 أبريل 2017

اسمك المهموس


بقلم : انثى المغيب


انه اسمك المهموس 
بين نسائم الليل
وحديثك الطاغي
على زغاريد طيور الفجر
انه ملمس جلدك
ذلك الطيف الأبيض
الذي رُسم على الجدران الرماديه
اتذكر ذلك اللقاء؟؟
حين انحنت حوائط الغرفة خجلاً
و ذابت الشموع حنيناً
حزنت الطرقات فور رحيلك
ما كانت دموعك سوى
رسائل خوفٍ
لفراقٍ
وحديث جوعٍ
وضياع
كيف سأجد نفسي بعدك
وماذا اجيب قلبي
الذي لازال يسأل 
متى ألقاك

يوميات مصرية الحلقة الخامسة


 زكي السالم 

     كانت الاسكندرية مقصدَنا الثاني بعد القاهرة ، ففي صباحٍ نسائمه عليلة انطلقنا نَحْنُ الخمسة رفقة محسن لمحطة القطار  وصلناها والوقت قد بلغ التراقي فحثثنا السير خوفَ جنحة انطلاقه بدوننا وتلك مصيبة المصائب و داهية الدواهي عليه طبعا ، حال بلوغنا عرباته اندحشنا في درجته الأولى حينها امتطاها أحدُ الباعة وأخذ طلبات الركاب بسرعة البرق دون أن يدونها ثم مـا أسرع أن عاد بها كلها لم ينس شيئا البتة وبعد نصف ساعةٍ عاد ليلتقط نقوده منّا بذاكرة حديدية ، غريبةٌ قدرةُ العقل البشري على اختزال وترتيب كل مـا يمرُّ بهِ  مهما قلّ شأنُه وكثرت تفاصيلُه . 

     الطريق بالقطار للإسكندرية شاعريٌّ بكل مـا تحمله الكلمة من معنى فهو يخترقُ أطياناً وحقولاً بوفرة مياهها وكثافة شجرها واصطفاف الفلاحين فيها صفّاً بربطة المعلّم تحسهم رجلاً واحداً في رجال شتّى وكأنهم كاساتُ ورق كلٌّ في بطن أخيهِ كانوا سيمفونية متسقة وفسيفساءَ منتظمة .

    وصلنا محطة الاسكندرية وكانت شركةُ النقل التي نسقنا معها مسبقاً قد أرسلت سائقها ليُقلنا لفندق ( إيبروتل ) القصيّ حيث يبعد عن المحطة حوالي 45 كم وفِي الطريق إليه مررنا بمنطقة الملاحات والتي صُوِّرت فيها أحداثُ نهاية فيلم الكيف وبما أني ومحسن كنا نردد على الدوام جملة نور الشريف لمحمود عبد العزيز ( حقها وإلا مش حقها ) بلكنة مصرية محببة وكنا نضحك منها على الدوام كلما استحضرناها لموقف نمر به وها نَحْنُ الآن نمر على الملاحات بجلالة قدرها فاستدعيناها هنا بكل تفاصيلها المضحكة .

     وصلنا الفندق فاعتذروا بأدبٍ جَمٍ أن غرفنا سُلمتْ لقروبٍ أجنبي وأنهم سيعوضوننا بما هو أرقى وأونق وسيُنزلوننا بشاليهاتٍ مثلنا محترمةٍ ورشيدةٍ ، إلا أني انتفضتُ انتفاضةَ كِسعيٍّ قديم كرامةً لنا حين انتابني شعورُ أن هذا القروب مُستعمرٌ جديد جَاءَ ليَمتصَّ خيراتِنا ويُقعدنا ( مخوزقين ) على الحديدةِ ويُذيق بَعضَنا بأس بعض ثم لا نعودُ كما كنا كراماً بررةً جليلي القَدْر والقُدرة ، فهدَّأَ محسنٌ روعي وأزال ذلك الكبرياءَ الأجوفَ مني بقولِهِ إنني سكنتُ هذا الفندق قبلاً وأعرفُهُ غرفةً غرفة وداعوساً داعوسا إذ نزلتُ  وأنا أؤكدُ لك ولأمثالِكَ من المُتفيهقينَ أن شاليهاتَِهِ تفوقُ غرفَه مراتٍ عِدّة ، هنا سكتْ غضَبي وانتفختُ انتفاخةَ ديكٍ روميٍّ وأيقنتُ أَنِّي قهرتُ مُستَعمراً لم تستطعْ قُوى الأَرْضِ جميعَاً قهرَه . 

    الشاليهاتُ مُلحقةٌ بالفندق ومرصوصةٌ كبُنيانٍ نضيدٍ جنبَ بعضها تحيطُها رمالٌ نديّةٌ بِكرٌ لم يفتضها ثقالُ دمٍّ أمثالنا وتتناثرُ حولها - بالطريقِ المؤديةِ للبحر - حماماتُ سباحةٍ عدّة كبرى وصغرى فكأنّنا في فيلّةٍ عُظْمَى مساحتُها ، خَضِرَةٌ أغصانُها ، منهمرٌ ماؤُها فهي فعلاً جنةُ ﷲِ في أرضه . 

    بعد أن اقتسمنا الغرف حيثُ يوسف و محمد بغرفة وصالح وَعَبَد ﷲ بغرفة وأنا ومحسن بغرفة وبعد سفرٍ طويل غرقنا ساعةً كالموتى في نوم عميق . 

و للحديث بقية
 زكي السالم

الاثنين، 10 أبريل 2017

كويتيتان تتدربان على إنتاج الخوصيات بالأحساء


الكويتيتان تتدربان في منزل «أم خليل» (الوطن)
الكويتيتان تتدربان في منزل «أم خليل» (الوطن)

الأحساء: عدنان الغزال 2017-04-09 11:05 PM     

بدأت سيدتان كويتيتان في احتراف إنتاج «الخوصيات» عمليا، وذلك بعد اجتيازهما دورة تدريبية متخصصة في تلك الحرفة داخل منزل أسرة سعودية تسكن في بلدة المركز التابعة الأحساء. 
وأشار المنسق للدورة، عضو المجلس البلدي في الأحساء السابق، المتابع لملف انضمام الأحساء في شبكة المدن المبدعة التابعة لليونيسكو علي السلطان لـ«الوطن»، إلى أن السيدتين الكويتيين حضرتا إلى الأحساء «المبدعة» بغرض التدرب على هذه الحرفة التي اشتهرت بها الأحساء منذ القدم، وبات فيها كثير من الأسر الأحسائية تزاولها بكل دقة ومهارة، حتى توارثتها الأجيال من آلاف السنين جيلا بعد جيل، ليتوج ذلك الإبداع المتواصل بتسجيلها ضمن شبكة المدن المبدعة التابعة لليونيسكو في الحرف اليدوية والفلكلورات الشعبية. 
 
قنوات خليجية 
أكد السلطان أن حرفية الخوصيات آمنة المبارك «أم خليل»، التي تسكن في بلدة المركز بالأحساء، رحبت كثيرا بالفكرة، وأبدت استعدادها لتدريب السيدتين الكويتيتين في منزلها طوال فترة التدريب، موضحا أن الهدف من الدورة هو فتح قنوات مع الأشقاء في الخليج من أجل الاستفادة من تميز الأحساء في الحرف اليدوية، وهي تجربة أراد خوضها من أجل تنشيط الحراك الثقافي بين مواطني الخليج، ومحاولة خلق فرص التدريب داخل المنازل للاستمتاع بالحياة البسيطة والأريحية التامة، ولفتح قنوات تدريب تدعم الحرفيين والحرفيات ماديا.
من جهتهما، عبرت المتدربتان أفراح وشروق الصايغ، عن سعادتهما بهذه الدورة، واصفتين الدورة بالتجربة الحياتية الفريدة من نوعها مع عائلة أم خليل، إذ كانت من أجمل الأيام في صحبتها، مضيفتين أنهما تعرفتا على 4 أجيال من داخل هذه الأسرة، وجميعهن قد احترفن هذه الحرفة منذ نعومة أظفارهن، وهن: والدة أم خليل «80 عاما»، وأم خليل، وبنات أم خليل، وأحفاد أم خليل. وأشارتا إلى أن هذه الأسرة توارثت هذا الإبداع، وأنهما تدربن على هذه الحرفة من أجل ربط شباب وشابات الكويت بهذه الحرف الأصيلة



.

الجمعة، 7 أبريل 2017

*إسلام عبدالقيس.. هل هو استثناء؟*



بقلم : عادل البشراوي 


عندما نتكلم عن قبيلة عبدالقيس فنحن نتكلم عن أكبر قبائل عدنان التي نزحت صوب إقليم البحرين القديم ضمن موجة نزوح جماعية من خواصر نجد.

لا أحد يستطيع الجزم بتاريخ النزوح, ولكن أقوال أغلب المؤرخين ترجعه إلى حدود ميلاد المسيح عليه السلام, أي قبل حوالي الألفي سنة.

وقد تواترت أخبار ترجىء سبب النزوح إلى مزاحمة الأزد النازحون بدورهم شمالا من الجنوب إثر كارثة انهيار سد مأرب وما سببه من خراب ديارهم. 

ورغم أن الأمر يحي بمنطقية, إلا أن معلومية انهيار السد وتأريخ حدوثه بحدود القرن الخامس الميلادي توجد تضاربا يكفينا لعدم الأخذ به سببا مقبولا.

مهما كان السبب فقراءاتنا في التاريخ تشير إلى أن البشر خلقوا مرتحلين وراء الكلاء والماء والأمن, فلن نطيل في هذا الجانب.

أما عن إسلام عبدالقيس فالأمر لايجب أن نعتبره استثناء بل نستطيع اعتباره تلقائية تكررت في انحاء كثيرة حيال دعوة الإسلام. وهو بالمناسبة الطبيعة التي يجب أن نتعرف عليها عند دراستنا لتاريخ تطور الأديان.


ولكي نتعرف على خلفيات هذه التلقائية التي تحدثنا عنها في تقبل الدعوة, يجب أن نلقي نظرة عامة على الشرق الأدنى القديم.

لهذه المنطقة شأن مهم في بروز أوائل الحضارات الإنسانية. على الأقل هذا ماتنقله النظرة الكلاسيكية لقيام الحضارات التي تقول بتظافر عناصر معينة مكنت وادي النهرين –دجلة والفرات- أن يحظى بقيام حضارة سومر كأول الحضارات الإنسانية قبل حوالي 6 آلاف سنة.

وبين هذين النهرين اختمرت اللبنات الأساسية لتطوير المعارف البشرية, ومن بينها الثقافة. ونحن لانستطيع اعتبار الحياة الروحية للبشر بمعزل عن المعارف الثقافية وإنما ضمن إطارها.

في العام 1851م تم العثور على آثار لمكتبة الملك آشور بانيبال التي حرقت في القرن السابع قبل الميلاد. وقد عثر هناك على عشرات الآلاف من الألواح التي كتبت بالمسمارية لتحكي يوميات حضارات سومر وبابل وأكاد وآشور. وهي الحضارات التي تعاقبت على السيطرة على بلاد مابين النهرين. وأكاد أجزم أنها تحكي أيضا عن تاريخ مهم لدلمون القديمة ولكنه بحث آخر قد أتطرق إليه لاحقا.

ضمن المعلومات التي استقاها العلماء بعد أن تمكنوا من فك رموز الكتابة المسمارية تتعلق بالأنظمة الإدارية للسلطة والمعارف العلمية والتقنية والفلسفية التي بات يسيرا عليهم ربطها كجذور أولية للمعارف العلمية والفلسفية التي خبروها في التراث الإغريقي. وكذلك كان الأمر في الجانب الروحي الذي قرأوا فيه أصولا لمفهوم تعدد الآلهة الإغريقية.

مع ولوج الألفية الأخيرة لعصر البرونز أي قبل الميلاد بألفي سنة, حدث توسع للثقل الحضاري ليطال مناطق شرق المتوسط بعد أن ظل متمحورا في بلاد مابين النهرين وعلى ضفاف نهر النيل. شهدت هذه الفترة بروز الحثيين في الأناضول والممالك اليونانية القديمة مينوسيا وإسبرطة وطروادة حول بحر إيجة والأرخبيل اليوناني, وفي الشام تبلور تواجد للشعوب الفلسطينية القديمة والكنعانيون والفينيقيون المرتحلون حديثا عن شرق شبه الجزيرة العربية, إضافة للكيانات الكبرى في بلاد مابين النهرين وحول ضفاف نهر النيل التي استمرت في استحواذها على السيطرة على المنطقة وإن بتذبذب مستمر.

وفي هذه الفترة ظل مفهوم تعدد الآلهة سائدا بين هذه الأمم. وفي هذا السياق يجب أن نعي بأن مفهوم الإله لدى هذه الأمم يختلف عنه لدينا, فهو قد يكون تخليدا لرجل عظيم كملك له فتوحات وانجازات. كما أن تعلق الأمم السابقة بالظواهر الطبيعية والفلكية وأسباب حدوث الفيضانات وانحباس المطر عامل آخر في تظهير الروايات الأسطورية المشتملة على رموز لآلهة تتسبب في حدوثها. هو منظور يجب أن نتناوله في حدوده المعرفية التي قد تحتاج منا وضعه ضمن تصور آخر غير الذي تعودنا عليه في مفهومنا للإله. 

وقد استمر هذا النمط الروحي الوثني لدى الأمم حتى بعثة الرسول صلى الله عليه وآله, بل هي لازالت مستمرة في بعض الجيوب النائية حول العالم.

ولكن المنطقة ذاتها (الشرق الأدنى) شهدت نمط روحي آخر, وهو ذو طابع توحيدي. قد يصعب توثيق بروز هذا النمط تأريخيا, فرغم ذكره في النصوص السماوية وخصوصا في القرآن الذي احتوى روايات لرسل بعثوا لدعوة الناس لعبادة إله واحد, إلا أننا لانستطيع تتبع انبعاثه في هذه النصوص. 

ولكنا حيث تحدثنا عن الألفية الثانية قبل الميلاد أي قبل 4 آلاف سنة سوف نجد أن هذه الفترة تزامنت حسب الأخبار مع بعثة ابراهيم الخليل عليه السلام. وقد قرأنا في رواية الخليل ولادته في أور البابلية وقصته مع النمرود عندما كسر الأصنام فأراد عقابه النمرود بإحراقه بالنار لولا رعاية الله سبحانه التي أنقذته. 

تمكن إبراهيم (ع) أن ينشر عقيدة التوحيد بين شعوب هذه المنطقة. وقد بقي أتباعه على عقيدتهم رغم الكيانات السلطوية المناوءة لهم والمتربصة بتحركاتهم. 

أتباع إبراهيم استمروا في عقيدتهم ولكن طبيعة الأمور دائما في تغير, ولذلك يتوالى إرسال الرسل لمحاربة البدع والحياد عن المسار الذي أراده الله للبشر.

هنا أود أستغلال المناسبة لتصحيح معلومة وجدتها منتشرة في أوساطنا عندما نتحدث عن الديانات السماوية أو الإبراهيمية, فليس من الصحيح حصرها في الإسلام والمسيحية واليهودية! 
بل يجب أن نضيف إليها ديانة الصابئة المندائية التي هي امتداد لأتباع إبراهيم الخليل (ع) وإن جرى ربطهم لاحقا بيحي بن زكريا (ع) في ظروف لاداعي للخوض فيها.

كما أن حصر رسالة موسى (ع) باليهودية ليس دقيقا, وعندما أقول اليهودية فلا أعني العرق بل الطريقة. فاليهودية منسوبة ليهوذا وهي فرقة من أتباع موسى, أما الفرقة الأخرى فهي السامرة. والفرقتان تماثلان في الإسلام الشيعة والسنة وفي المسيحية الكاثوليكية والأورثوذوكسية. وإنما تم ذلك في تصوري لغلبة يهوذا أخيرا بعد صراع مرير استمر إلى ماقبل السبي البابلي, حيث تراجعت السامرة وتضاءل حجمها بحيث بقيت اليوم ضمن فئة محدودة العدد تقطن فلسطين. 

بعيدا عن هذه التفاصيل, فقد استمرت عقيدة التوحيد بعد إبراهيم في تجدد على يد الرسل والأنبياء وفي صراع مرير مع السلطات التي كانت ترى فيها تهديدا لهيمنتها إلى أن جاء الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول في القرن الرابع الميلادي الذي وجد أنه يستطيع الإستفادة من الزخم الذي تتضمنه دعوة المسيح (ع) في تقوية امبراطوريته, وذلك بعد صراع مرير دام ثلاثة قرون بين الرومان وأتباع عيسى (ع). وقد كثرت التبريرات عن أسباب قرار قسطنطين هذا حتى قيل أنه تأثر بأمه هيلانة التي كانت مسيحية. 

مهما كانت الأسباب, فالتغييرات التي أحدثها في المسيحية تشير إلى استغلال للعقيدة وليس الإيمان بها, وخصوصا أنه حتى بعد اعتماده للمسيحية على أنها الدين الرسمي للإمبراطورية ظل هو على وثنيته ولم يتعمد إلا في سنة وفاته عام 337م. 

في عام 313م أصدر قسطنطين أمرا بالإعتراف بالدين المسيحي. منع به اضطهاد المسيحيين واهتم بحمايتهم. وتأكيدا لتقوية مشروعه السياسي الآيديولوجي الجديد قام بتغيير عاصمة الإمبراطورية من روما إلى بيزنطة التي أسماها لاحقا باسمه (القسطنطينية) عام 324م. وكان أهم أسباب نقل العاصمة إلى هناك تحسبه للمعارضة التي قد تواجهه في روما الوثنية في مقابل انتشار المسيحية في الشرق. 

وفي العام التالي أي 325م جمع قسطنطين الأساقفة والرهبان في مدينة نيقية من أراضي تركيا اليوم لكي يتم حل الخلاف بين آريوس وأتباعه وبين ألكسندروس الأول بابا الإسكندرية.

والخلاف بين آريوس وأليكسندروس له أهمية بالغة في المسيحية, بل بأصل عقيدة التوحيد. فبرغم الجدل الذي بدا وكأنه فلسفي يتناول الطبيعة اللاهوتية والناسوتية للمسيح (ع) إلا أنه وبكلام نفهمه جيدا خلاف بين رأي آريوس بأن المسيح مخلوق وبين رأي أليكسندروس الذي يرى أنه إله.

وقد تمت إدانة تعاليم آريوس في الإجتماع وجرى تقييده ولولا الخوف من أتباعه لما توانى قسطنطين من تصفيته.

اجتماع نيقية له قيمة كبيرة في الأوساط المسيحية وهو معروف اليوم بمجمع نيقية المسكوني, وهو المجمع المسكوني الأول في المسيحية.

إيرادنا لذكر مجمع نيقيا وآريوس مهم في حديثنا, فآريوس الذي يعتبره أغلب المسيحيون اليوم مهرطقا (مبتدعا) له أياد كبيرة في نشر عقيدة التوحيد في أوروبا والمشرق.

وجدير بنا ونحن نتكلم عن آريوس أن نذكر قصة لقائه بأصحاب الكهف, فالرواية تقول بأن أصحاب الكهف عندما بعثوا من رقادهم غادروا الكهف ودخلوا المدينة فتعجبوا من التغييرات التي وجدوها هناك. هذا في الوقت الذي كان تسائلهم لايزال عن فترة لبثهم التي كانوا يظنونها يوما أو بعض يوم.

ولكن أكثر شيء صعقهم هناك هو معرفتهم بأن دين الإمبراطورية الرومانية أصبح المسيحية, بعد أن كان السبب في ملاحقتهم من قبل الرومان ولجوؤهم للكهف أساسا هو اعتناقهم للمسيحية. 

إلا أن دهشتهم لم تتوقف عند هذا, بل استمرت عندما اقتربوا من دور العبادة ليلاحظوا فيها روموزا لم يعهدوها وهي مخالفة لعقيدة المسيح. وقد تسمروا في أماكنهم عندما رأوا علامة الصليب وسمعوا بمفهوم الثالوث المقدس. كان آريوس ضمن من استقبلهم وقص عليهم ماجرى بعد اختفائهم.

كما أسلفنا, فقد كانت لآريوس أياد في نشر عقيدة التوحيد وخصوصا في الأرجاء التي تضعف فيها قبضة الإمبراطورية الرومانية. 

فقد تمكن أتباعه من نشر تعاليمه بين قبائل الجرمان التي أخذت تستقوي على القسم الغربي الأوروبي من الإمبراطورية مستفيدين من انتقال ثقل السلطة نحو القسطنطينية حيث أغار ملك القوط ألريك الأول عام 410م على روما وقام بمحاصرتها وإرضاخها ومن ثم دخولها وهدمها معلنا القضاء على القسم الغربي للإمبراطورية وفي وقت يعتبره المؤرخون بداية عصور الظلام التي استمرت حتى القرن الرابع عشر الميلادي.

تتابعت سيطرات القبائل الجرمانية التي بدأت نزوحها مع القرون الأولى الميلادية من مواطنها الأصلية في الشمال الإسكندنافي بالقرب من بحر البلطيق ولكنها ومع ضعف الإمبراطورية الرومانية أخذت في احتلال تركة الأخيرة في أوروبا. 

فقبيلتي الأنجلو والساكسون تقاسموا احتلا الجزر البريطانية, وقبيلة الفرانك احتلت فرنسا, أما الجنوب الغربي الآيبيري (اسبانيا والبرتغال) فتقاسم القوط والفاندال السيطرة عليها. وكذلك كانت الحالة في باقي أجزاء أوروبا. 

نلاحظ هنا أن اسم قبيلتي الأنجلو والساكسون يدمج اليوم (أنجلوساكسونز) للتعريف بالقوى الإستكبارية المهيمنة عالميا, وهي التي بدأ نشاطها الإستكباري مع بروز الإمبراطورية البريطانية بداية القرن السابع عشر.

نلاحظ أيضا أن قبيلة الفرانكز التي سيطرت على فرنسا في تلك الفترة هي التي أعطت فرنسا اسمها لاحقا.

أما الفاندال الذين تقاسموا آيبيريا مع القوط فقد تمددوا لاحقا لتشمل سيطرتهم على أغلب الشمال الإفريقي وكان ذلك مع بروز الإسلام. وأكثر مايذكر عن الفاندال هو اشتقاق الإسم الذي يعتمده المسلمون لشبه جزيرة آيبيريا ألا وهو الأندلس. وهو في الأصل محور عن (فاندالوس).

لنعود لما كنا نقوله عن نشر أتباع آريوس لعقيدة التوحيد, فحروب الرومان مع قبائل الجرمان التي لم تتوقف أبدا لم تكن فقط من أجل السيطرة على الأرض, بل استجد لها سبب آخر. 

وبالتحديد مع القوط والفاندال الذين اعتنقوا تعاليم آريوس التوحيدية. فقد تمدد تواجد الفاندال في أراضي المغرب اليوم ثم الجزائر التي كانت ضمن نطاق سيطرة كنيسة الإسكندرية والتي لعبت دورا كبيرا في التآمر على الفاندال باعتبارها أحد معاقل السلطة الدينية التي تحت سيطرة الرومان.

قد يحار القارىء لخوضي في كل هذه التفاصيل التي تبدو بعيدة عن عنوان المقال, ولكنني تعمدت ذلك لكي أوضح ماعنيته في بداية المقال حين قلت عن إسلام عبدالقيس بأنها تلقائية تكررت كثيرا في أنحاء عديدة في العالم.

فقد تناول الباحث فاضل سليمان الآريوسية (نسبة لآريوس) وقال أن المسيحيون الموحدون وخصوصا منهم الآريوسيون لايبقون عند مقاربتهم للإسلام, فلاتزال كتبهم المقدسة محتفظة بالتبشير برسول يأتي بعد المسيح اسمه أحمد, أي مصداق قول الله سبحانه: 
(وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (6) سورة الصف.

نستطيع أن نقرأ رضا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن آريوس وأتباعه حين مراجعتنا لرسالته التي أرسلها لهرقل الروم والتي ذكر في آخرها محذرا هرقل:

(يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ)


والأمر ذاته مع عبدالقيس, فنسطور الذي يعد ضمن الأساقفة والرهبان الذين بقوا في نقاشاتهم الفلسفية التي تتناول طبيعة المسيح الناسوتية, وهي العقيدة التي اعتنقتها عبدالقيس وبالتالي صح عليهم تسميتهم بالنسطوريين. 

وقد يصح أن نضيف أخيرا إلى أن استيقان عبدالقيس من صحة عقيدتهم تكرس من خلال تعاليم راهبهم رئاب بن البراء الشني العبدي, الذي عندما قدم وفد عبد القيس على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم سألهم عن رئاب أجابوه بأنه رحل قبل فترة وجيزة, فترحم عليه الرسول.

جدير أن نذكر أن للمحقق الأستاذ عبدالخالق الجنبي رأي في راهب عبد القيس هذا, فقد تناوله في بحث مطول خلص إلى أن رئاب ليس راهبا, بل هو نبي! كما أنه أوضح في بحثه المحقق بأنه هو ذاته صاحب قبر الأوجام.

كخلاصة لما تقدم, يجب ألا نقلل من الحظوة التي ميزت إسلام عبد القيس, ولكننا يجب أن نعي أسبابها ووضعها في سياقها الذي كما ميزها فقد ميز شعوبا وأمما أخرى غيرها. 

ومن هذا الباب نستطيع أن نتناول إسلام الكثير من مسيحيي مصر الموحدون حال وصول الإسلام هناك, وكذلك عندما انتشر الإسلام في باقي الشمال الإفريقي لتدخل قبائل الأمازيغ وحدانا وزرافات.

بل وحتى شعوب القوط الغربيون سكان شبه الجزيرة الآيبيرية الذين رحبوا بالتواجد الإسلامي في أراضيهم وساهموا في قيام دولة الأندلس ووجدوا فيها خلاصا من سطوة الكنيسة الغربية.

هؤلاء دفعوا الثمن مضاعفا إثر استحواذ إيزابيل وفرديناند على كامل التراب الآيبيري عام 1492م وهو تاريخ سقوط غرناطة، فطردوا مع العرب واليهود ليجبروا على النزوح إلى شمال افريقيا ليبقوا فيها حتى اليوم ضمن تنوع ديموغرافي عجيب. هؤلاء هم الموريسكيون, وللحديث عنهم شأن آخر يستحق التناول.

الأحد، 26 فبراير 2017

من فشل بدراسته لبس صايته، ومن كمل دراسته غرد بصفحته



أحمد بن عبدالله العبدالنبي - الهفوف - 

يقال في الأمثال: "صاية وصرماية" ويراد به "جاه ومال"، على أساس "صاية" جاه، و "صرماية" باللغة الفارسية مال. واللطيف بكلمة "صاية" أنها قريبة الصلة لفظياً ومنسجمة مع "وصاية"، فمرتديها بحكم موقعه ومكانته، له نفوذ، وكلمتة مسموعة، بصفته عالم دين. و"الصاية" قميص طويل بطول الرجل،كما هو معلوم، بألوان وقورة تليق بالعلماء، وهي حل ذكي عملي لتغطية لباس السُّنة: (السروال، والقميص) الذي يصل إلى نصف الساق. 

وفي هذا السياق روى أحمد، وأصحاب السنن، أن سويد بن قيس قال: "جلبت أنا ومخرمة العبدي بزًّا[ثياب] من هجر[الأحساء]، فأتانا النبيﷺ فاشترى منا رجل سراويل ووزان يزن بالأجر، فقال للوزان: زن وأرجح". والغريب في الأمر أن هذا اللباس النبوي نسيناه، وتمسك به الباكستانيون، والأفغان، وبلاد المغرب العربي، إلى وقت قريب، لهذا نشاهد لباس الممثل "أنطوني كوين" الذي جسد شخصية عمر المختار، في الفلم الذي يحمل أسمه، هو عيناً لباس السنة! 

والآن أضحت "الصاية" شعاراً مقترناً بالعلماء، ومدخلاً للأطروحات المتعلقة بهم، منها مقال جميل للأستاذ علي البحراني -بوإسراء- "صاية، ووصاية". ومن يرتدي "الصاية" يُقدره من يعرفه ومن لا يعرفه، بصفته ضمن نطاق العلماء. وهذا أمر جميل ومحمود، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾. لهذا تجد العلماء مكانتهم بالقلوب متجددة ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾. لكن السؤال الذي يفرض نفسه، هل كل من يلبس الصاية حقيق بها؟

للإجابة، وكوجهة نظر يوجد تشابه كبير بين دراسة "العلوم الدينية"، ودراسة "التربية الفنية"، نستطيع أن نطلق عليهما "السهل الممتنع"، فالتربية الفنية يفترض أن يَدرسها ويُدرسها من عنده موهبة الفن بوجاهة الإستعداد، والمقدرة، والإبداع. لكن الواقع يصدمك فقد يلتحق بهذا التخصص بعضهم من لا قدرة لديه ولا ملكة، حتى أضحت "مهنة من لا مهنة له" كونها الأسهل، ولا رسوب فيها، ومحببة للطلاب، فالناس بسجيتها تحب الفن والجَمال.

وكذلك (بعض) الناس يلتحق بدراسة العلوم الدينية، لا ذكاء، ولا وعياً إجتماعياً، ولا منطقاً، ولا أخلاق. وإنما لأن العلوم الدينية وطلابها مقبولين ومحبوبين، فالنَّاس جبلتها التعلق بالدين ومن ينتسب له. لكن من سخريات القدر تجد طالباً في المقاعد الدراسية بليداً فاشلاً، لم يستطع إكمال دراسته بالمدارس النظامية لصغر وعائه، وآخر الأمر يجد ضالته بالانخراط ضمن طلبة العلوم الدينية من هنا: "من فشل بدراسته لبس صايته". 

وهؤلاء لو أقتصر دورهم على الصلاة والإئتمام بهم بالمساجد، أو القراءة الحسينية، من خلال السرد التاريخي، والنعي لمصاب الأئمة -عليهم السلام- وهو دور عظيم ومشكور، لكان الأمر اعتيادياً. لكن تكمن المشكلة في أنهم يتصدرون القيادة في المشهد الديني، والثقافي، والإجتماعي، ويستمرون بتغذية المجتمع بـ "الرضعة الأولى" والتي بسببها تتشكل سلوكيات الفرد مع أفراد المجتمع وعلاقاته. 

ولأن واقعنا شرائح، وكل شريحة تتبع هذا أو ذاك، من حيث التقليد، عليه نتج من "أصحاب الصايات" مجتمعات مستنسخة بسيطة، يحملون ثقافات ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ هي سبب رئيس للاحترابات، وقطيعة الأرحام، والتشرذم، وفقدان رابطة الأخوة الإيمانية، وسوء الخلق، ومحاولات التسقيط لأصحاب الرؤى، والأطروحات، العدو اللدود لهؤلاء "الفاشلين المفلسين". وللتعرف على هؤلاء أكثر، ومعرفة الأثر السلبي على المجتمع، سنستعرض مرتكزات هامة ذات أفق إستراتيجي، وأخلاقيات، وملكات يتجلى وينكشف فيها العلماء النجباء، ومرتدي الصايات عبر المحاور التالية:
                                            
1- الأخلاق: عند النهل من سيرة نبينا الأكرمﷺ، نجد قصصاً كثيرةً عن خلقه الجم، دخل بسببها الإسلام خلق كثير، لذا أستحق التتويج الإلهي: ﴿إِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. هذا الخلق المحمدي لم يكن مع المُسلمين فقط، وإنما شمل اليهود، والمسيح، والكفار، وكل من يتعامل معه، من المؤتلف والمختلف. 

بينما نرى (بعض) العلماء من يكرروا رواية الإمام الصادق-عليه السلام-: "إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ". نراهم مع الأسف لم يرثوا أخلاق الأنبياء سيما أنهم يطرحون أنفسهم "أمناء الله، وورثة الأنبياء"، فتجد وجوههم عابسة جهمة، ينصبون العداوة لمن يختلف معهم في الرأي لدرجة يقومون بسلوكيات لا تليق بالعلماء. فتراه يهرب من صف الرجال من مجلسه حتى لا يصافحه من يختلف معه، وأصحاب هذه الأخلاق السمجة الدميمة المزرية مع الأسف من يتصدرون مسؤولية نشر القيم والأخلاق! وأخلاق هؤلاء وأمثالهم المعنين "من فشل بدراسته لبس صايته"

2- الإقرار بدور المؤمنين: العلماء الكبار دائماً في خطاباتهم، وأدبياتهم يذكرون المؤمنين بصفتهم الداعمين للمشاريع الخيرية، ويشجعونهم، فتجد قولهم: "هذه الأعمال والمشاريع، بفضل من الله وبفضلكم"، وهذه أخلاق قرآنية ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾. الآية جعلت صفة الرزق المقترنة بالله تعالى؛ للمؤمنين، إقراراً وتشجيعاً لهم ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾. وحقيقةً علماؤنا الأعلام، يحترمون ويقدرون المؤمنين، ولا يرفعوا أصواتهم باستعلاء، ولا يميزوا بين طبقات المجتمع في التعامل لا مالياً ولا أسرياً.

لكن "الفاشلين" تلحظ في خطابهم الديني تغيب متعمد للمؤمنين، وتعاملهم "بخشونة" مع المأتلف، وعداوة مفرطة مع المختلف. والأدهى التعاطي مع المشاريع من الحقوق والتبرعات بصفتها ملكية خاصّة، وانجازات شخصية، وكل العطاءات، والتبرعات تقدم باسمه، وهو المهيمن الآمر الناهي. وهذا الخلق يأتيك فقط من بعض "من فشل بدراسته لبس صايته".

3- المال مال الله: يقول عز من قائل: ﴿أَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينْ﴾. المال مددٌ من الله تعالى، يصرف لمصلحة العباد، ولا يحق لأحد التصرف فيه بصفة شخصية، فيما يتعلق بالحقوق الشرعية. وقصة أمير المؤمنين -عليه السلام- في هذا السياق واضحة كما في كتاب (المناقب المرتضوية، ص 365) عندما: "... ورد عليه طلحة والزبير، فأطفأ -عليه السلام- السراج الذي بين يديه، وأمر بإحضار سراج آخر من بيته، فسألاه عن ذلك فقال -عليه السلام-: كان زيته من بيت المال لا ينبغي أن نصاحبكم في ضوئه".

لكن الذي لم يكمل دراسته، لا يدرك هذه القيم، والأخلاق، فتراه يتصرف بأموال الله بصفة شخصية- كما أسلفنا-، وكل المنجزات من هذا الأموال يتحصل عليها المستفيدون بحكم قربهم أو بعدهم منه، فمن كان قريباً من القلب تفتحت له أبواب القنوات الفضائية، والمؤتمرات، والحسينيات، ومن صُنّف بعيداً مختلفاً، غُلقت أمامه الأبواب، كل ذلك بتوجيه، وتجليل، ومباركة "من فشل بدراسته لبس صايته".

4- الأخوة الإيمانية: الله تعالى يأمرنا بالوٓحدة ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. هذه الوحدة ضمانة لتماسك المجتمع وقوته بجميع أطيافه وشرائحه. وجعل أساس الرابطة الإيمان ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. وفي الحديث المتواتر أن نبيناﷺ خاطب الكعبة المشرفة: "مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ، مَالِهِ وَدَمِهِ وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا".

لكن واقع الحال (بعضهم) يجعل المحور الذي تدور حوله الدوائر (المجتهد) -مع كامل احترامنا لجميع المجتهدين-. وإعلانه الميزان والمقياس الحقيقي لأخوة الإيمان. وبالتالي تجييش الناس وتوجيه عواطفهم نحو من يرونه لا يتوافق مع هذه الجزيئيّة. وبدلاً من نشر ثقافة الأخوة تراهم يتناولون المؤمنين في خطب الجمعة، وفي مقالاتهم الذميمة، ومواقعهم الألكترونية، وأحاديثهم الملفقة بالبهتان، وإفتراءاتهم، وكذبهم بحكم وقوة الصاية والوصاية. هذه الثقافة الدخيلة التي تجعل رابطة (المجتهد) أهم وأولى من الوحدانية والنبوة والإمامة يعمقها "من فشل بدراسته لبس صايته".

5- الإحسان والتعارف: الله سبحانه يأمرنا بالإحسان: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، والإحسان هنا للناس عامة، ولا يقتصر على المسلمين. والإحسان من مقومات التعارف بين المجتمعات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. هنا أيضاً الخطاب الإلهي للناس كافة، كما في آيات كثيرة حينما يتعلق الأمر بالأخلاقيات، والسلوكيات. فالانفتاح والإستيعاب الإنساني منهج سماوي: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. الآية صريحة ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّه﴾ فالدين للبشرية، وعندما قويت شوكة المسلمين خاطب نبيناﷺ ملوك وحكام العالم في المشرق والمغرب، لأن الحق أحق أن يتبع.

لكن بعضهم نظرته ضيقه، ولا يستطيع استيعاب من يختلف معه في الرأي، لضعفه وخوف سحب البساط من تحته، فتراه مغلقاً وعلاقاته، وخطاباته الرنانة المصيرية مأطرة بعنوان (التقليد)، وتصنيف الناس هل هذا من جماعتنا أم لا؟! حتى وصل الأمر أن يحدد ويفرض على أئمة المساجد إعلان أسماء العلماء المحسوبين على هذه المرجعية. وهذا أمر خطير، يدعو للتمزق وتعميق السخامات بين المؤمنين. وحسب علمي لأول مرة يحدث في تاريخ خطب الجمعة تصنيف العلماء حسب مرجعيتهم ويعلن للملأ. بل ويلزم غيره من أئمة المساجد المحترمين بذلك. وقيادة المجتمع بهذه الكيفية لا يأججها إلا "من فشل بدراسته لبس صايته"

6- الفكر البناء: يقول نبيناﷺ: "لا يَسْتَقِيمُ إِيمانُ عَبد حَتّىْ يَسْتَقِيمَ قَلْبُهَ، ولا يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ حَتّى يَستَقِيمَ لِسانْهُ". اللسان هو مرآة الإنسان. واللسان الجميل ضرورة حتمية، لكل من يكن بموقع قيادي إجتماعي ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ﴾. فالخطاب الديني مؤثر ومنه تتكون التراكمات الثقافية، والأخلاقيات والسلوكيات. وفي هذا المضمار يقول أميرالمؤمنين -عليه السلام-: "إِنّ فِي الإِنسانِ عَشَرَ خِصَال يُظْهِرُها لِسانُهُ، شاهِدٌ يُخْبِرُ عَنِ الضَّميرِ، وَحاكِمٌ يَفْصِلْ بَينَ الخِطابِ، وَناطِقٌ يَرُدُّ بِهِ الجَوابَ، وَشافِعٌ يُدْرِكُ بِهِ الحاجَةَ، وَواصِفٌ يَعْرِفُ بِهِ الأشياءَ، وَأَمِيرٌ يأمُرُ بِالحَسَنِ، وَوَاعِظٌ يَنهى عَنِ القَبِيحِ، وَمُعَزٍّ تَسْكُنُ بِهِ الأحزانُ، وَحاضِرٌ [حامِدٌ] تُجْلى بِهِ الضَّغائِنُ، وَمُونِقٌ تَلَذُّ بِهِ الأَسماعُ" الكافي ج8، ص20.

بينما (بعضهم) في خطابه الديني يحذر المصلين من تسجيل خطبته، لعلمه أنها لا تصلح للنشر، وآخر يأتي بخطبة بعدها يطلب من المصلين مراجعته، للتعريف بالمعنيين في خطابه. وهذا السلك في الخطاب لا يبني مجتمعاً ناضجاً متسامحاً، وإنما يخلق أجواء متوترة بين المؤمنين، وهذه الأدوار والخطابات يأتيك بها "من فشل بدراسته لبس صايته".

ومن جهة ثانية ما نراه لدى (بعضهم) ممن يصول ويجول في شبكات التواصل الإجتماعي، عارضاً نفسه وصياً ومرشداً للناس بصفته عالماً جهبذًا، فتراه لا يطرح القيم والرؤى الفكرية، وإنما الترويع والتسقيط مع من يختلف معهم مذهبياً، فهذا وأمثاله المعنين: "من كمل دراسته غرد بصفحته". فتجد شغله الشاغل التكفير، والتفسيق، والتقسيط، كل ذلك يعمله بوجاهة حصوله على (د.). 

وهذا فهم خاطىء لبناء المجتمع. فمن يتحصل على شهادة علمية غايتة خدمة الإنسانية، وتثقيف الناس وتنمية مستواهم التربوي، والعلمي والخُلقي، وزرع المحبة والألفة، والفضيلة بالتمسك بما يجمع، لا ما يفرق! وكل من يسيء للمواطنين من باب التمايز المذهبي، والقبلي، والمناطقي، وغيره فهو يعارض النظام الأساسي للحكم، حيث تنص المادة الثانية عشر: "تعزيز الوحدة الوطنية واجب، وتمنع الدولة كل ما يؤدي للفرقة والفتنة والإنقسام".

الفكرة:
حينما يفتقد الإنسان العقل الواعي، والحصافة، فإنه لا يستطيع أن يقود مجتمعاً بموقعيته ومركزه من خلال صايته، أو شهادته. لأنه يفتقر للإدراك والوعي. وسيتحرك وفق عواطفه، ونوازعه النفسية، بما تمليه من غضب، وكراهية، وانتقام، وتحريض، وتهميش، هذه الإنفعالات لا تفيد المجتمع في شيء، وإنما تحوله إلى جزيئيات متباغضة، متناحرة، متصادمة.

والمجتمع بحاجة إلى قيادة حقيقية، ذكية، ناجحة، من أصحاب الصايات، والشهادات،، تتلمس جراحاته لتطبيبها، وتضميدها، وليس نكء الجروح، واجترار الماضي بمآسيه وآلامه، وربطه بطريقه هزيله فجة، من خلال مقالات مجهولة الكاتب. يشتم منها تحريض شنيع بواح، ينم عن عقلية ضحلة، ونفسية حاقدة. 
ولا يشفع لكاتبها عنونتها بمصطلحات جذابة معروفة مسبقاً "التاريخ يعيد نفسه". وتذيلها باسم مستعار كعادة الجبناء. 
فأمثال هؤلاء وأصحاب الشهادات (د.)، لا قدرة لديهم لقيادة المجتمع. وهم خطر يهددنا، والناس بطبعها تحب الإستقرار، والتآلف، والتواد، والإطمئنان، نسأل الله تعالى الهداية لنا ولهم، وأن يسدد خطاهم، ويبعدهم عن المزايدة بالمجتهدين، وعدم إثارة الفتن، والاقتتال بين المؤمنين بسلاح (التقليد) لأن الرابطة الحقيقية ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، ونهاية المطاف الحل لهذه المعضلات يكمن بالتصدي لهذه الثقافة الضحلة بقول (لا) لمثيرها ومؤججها، وهو محور المقال القادم بعنوان (لا.. الناهية، شافية ناجية).
1438-5-24هـ.