السبت، 22 أكتوبر 2016

قراءة في أساطير أسفار التوراة

رياض الشيخ باقر


حديث الأرض

لقد كان الحديث عن هذه الأرض يُهمس سرا بين طيات أضغاث أحلام المتهودة ، حقدا توارثوه على آل إسماعيل ساعدهم فيه معتنقي الوثنية بعد أن منوا عليهم أن اطلقوهم من أسرهم البابلي - النزاري ، أما الآن ومنذ قرون فقد أصبح جهارا بعدما شاركهم في ضيغنتهم أطماع مستعمر  فكتبت اضغانهم بحمرة دمائنا و تغطت أرض كنعان* بجثثنا و سادها القحط و الفقر بعدما كانت أرض اللبن و العسل .
أرض سميع أيل* ابن أَبْرَام* تناهبتها أساطير الكتاب المقدس في عهده القديم و جعلتها الأرض الموعودة  لنسل إبرام من " ساراي* " ، ولكن ليس لإبرام وريث من نسل " ساراي " حتى الوقت الذي غزى الشيب كل مفرق إبرام ، فهو الآرامي من نسل كلدان إن لم يكن له وريث من زوجته الشرعية ، فعادتهم أن تهب له زوجته جاريتها الأمة ليستولدها نيابة عنها ، و فرح بذلك الشيخ الثمانيني العجوز و طرب بالأمة الشابة السمراء القادمة من مصر لهذا السبب و وهبت " ساراي " أمتها "هاجر " التي ولدت لإبرام وليده الأول " سميع إيل "
فسمع " إيل " بعد طول إنقطاع نداء من الأرض ، فهذا الوليد أسمع - إيل صوته ، ومع الأيام أخذ إسماعيل يكبر و ينمو و تنمو و تكبر معه ثروة إبرام حتى طمع بأرض كنعان و حلم أن تكون له مملكه و شعب فأخذ يدعو ربه إيل بذلك
وفي يوم من الأيام تجلى له ربه و وعده  قائلا له : " إني سأجعلك أبا لجمهورٍ من الأمم ،،، ملوك منك يخرجون ،،، و أقيم عهدي بيني و بينك و بين نسلك من بعدك في أجيالهم عهدا أبديا و أعطي لك و لنسلك من بعدك أرض غربتك كل أرض كنعان ملكا أبديا "
بعدها أهدت " ساراي " ابناََ " شرعيا " لإبراهيم هو إسحاق ، فأبن سارة ليس كأبن هاجر ، فالجارية لا تهدي و إنما تستولد فتلد ، أما إذا أتت السيدة بولد فهذا لزوجها أهداء و تغدوا به لأبنها المكانة الأولى ، فهو الشرعي ، فهذا ما حكمت به شريعة الكلدانيون ، فبابن سارة سر إبراهيم سرورا عظيما ، و علم الرب بهذا السرور ، لذا ردد الرب صوته لإبراهيم قائلا له " إن إسماعيل قد سمحت لك فيه ولكن عهدي أقيمه مع إسحاق الذي من سارة ،،" " لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر الى النهر الكبير نهر الفرات "
فعلمت سارة بذلك العهد من الرب فطلبت من إبراهيم أن يطرد الجارية و ابنها لأن ابن الجارية لا يرث مع ابنها إسحاق ، و استقبح إبراهيم قول سارة ، لكن الرب أستحسنه لأنه سيجعل نسله من إسحاق و أمر إبراهيم أن يمتثل لقول سارة ، فبكر إبراهيم صباحا و صرف الجارية و أبنها البالغ ثلاثة عشر سنة الى بئر سبع ، فأوسع الرب على إبراهيم و أبنه إسحاق الذي اصبح  لدية أبنا عزيزا و وحيدا حتى كاد أن يقدمه ذبيحا للإله لو لم يفتد بكبش الفداء

( بتصرف من سفر التكوين )
-----------


* أرض آل كنعان = بلاد الشام الكبرى
* البابلي - النزاري = سبي بخت نصر
* إيل = أسم الإله في اللغة الكنعانية
* سميع إيل = إسماعيل
* إبرام = إبراهيم
* ساراي = سارة زوجة إبراهيم
* الكلدانيون و الآراميون = من الشعوب القديمة التي سكنت العراق                        

الجمعة، 21 أكتوبر 2016

القطيف والبحرين والتوأمة

عادل البشراوي


بعد جهود ماراثونية مضنية في البحث عن جامعة مناسبة لدراسة ابنتي فاطمة, وجدنا ضالتنا أخيرا في جامعة البحرين. وقد كانت فعلا خيارا موفقا وذلك لأسباب لست بصدد ذكرها هنا.

انتظمت فاطمة في صفوف الجامعة، ومع نهاية دوام أول يوم لها هناك كنت في انتظارها لأعود معها للبيت حيث أننا لم نتمكن حينها بعد من إيجاد سكن مناسب.
بعد أن ركبت السيارة سألتها عن تجربة أول يوم لها في الجامعة فبادرتني قائلة:
بابا, البنات اللي معاي في الصف يتكلموا قطيفي!!

وهنا حقيقة يبدأ مقالي..
فتجربة أول يوم لفاطمة واجهتني أنا شخصيا عندما كنت في المرحلة المتوسطة حين ذهبت لقضاء عطلة الربيع في بيت أقاربنا بالمنامة وكانت تلك أول زيارة لي للبحرين وقد كانت لي حينها ملاحظات عديدة كان أهمها ملاحظة فاطمة.

أستطيع الحديث عن الكثير من المواقف الجميلة والطريفة التي واجهتني في زيارتي الأولى للبحرين, ليس أقلها طرافة تلك الحادثة التي حصلت معي حين أن جاءني قريبي يوما ليقول لي, عادل, غدا سوف نذهب إلى بلاج الجزائر وهو طريق طويل فيجب أن نصحوا باكرا ونتجهز للمشوار.

بدا الأمر ممتعا خصوصا مع طبيعتي المتحفزة فصحوت اليوم التالي باكرا وتجهزت للطريق.

أذكر أننا انطلقنا في ثلاث سيارات مع متاعنا وأكلنا وبعد مسير حوالي نصف ساعة توقفت السيارات الثلاث فالتفت لقريبي أسأله, مالذي حدث لنتوقف؟
أجابني مستغربا, وصلنا!!

حينها وحينها فقط تذكرت أننا في البحرين, وأن وحدات المسافة التي تعودنا عليها في السعودية لاتتناسب مع يوميات أهلنا هناك..

آه, نسيت أن أذكر أن القصة حدثت قبل تشييد الجسر وأن مشوار بلاج الجزائر لدى البحارنة حينها كان بمثابة مشوار لنا للرياض.

كانت أياما جميلة وتجربة مثرية للخيال والروح, وقد أدمنت بعدها الذهاب للبحرين والتواصل مع أهلنا هناك.

الأمر بالنسبة لي لم يكن فقط صلة رحم, وإنما هو شيء أعمق من ذلك بكثير.
لقد أكتشفت هناك امتدادا للوطن وللأهل ولطبيعة الأرض والنخل والبحر.

عندما زرت البحرين لأول مرة وجدت هناك القطيف التي أعشق ولكن بتنوع فريد.
هي نفس الملامح ونفس اللهجة ونفس الناس ولكن بزيادة شارع هنا ومسجد هناك ولكن أيضا كنيسة!
وسوق هو ذاته سوق مياس والشريعة حيث بيت جدي ولكن بضاعته أكثر تنوعا ووفرة.

بدا لي المشهد وكأن بلدتي القطيف زيد لها بعض التفاصيل التي أكسبتها نفحات أكثر شرقية مع أنها وللمفارقة أيضا غربية. هو مزيج فريد وعته ذائقتي الفضولية والتي تهيم في مراقبة التفاصيل.

كبرت وكبر التصاقي بالبحرين, ولولعي بالتاريخ فقد اطلعت على الكثير من الأخبار التي تتحدث عن البحرين قديما فوجدت المشتركات بين المنطقتين تعود إلى بداية التأريخ المدون, وقد لاحظت أن الدول والحضارات التي قامت قديما في المنطقة وكانت عادة تبسط سيطرتها على اقليم البحرين القديم كانت تعتبر أوال (البحرين قديما) والقطيف والأحساء هي الحواضر الأساسية لهذا الإقليم.

تبدو هذه المشتركات جلية في فترات دلمون القديمة وتستمر في فترات الحكم الفارسي الإخميني ومن ثم الهلنستي والفارسي الساساني لتمر بنا في عصور الإسلام ودول العيونيون وآل عصفور وبنوجبر, وحتى وقت قريب كانت هذه المناطق في الغالب تنتمي لهوية سياسية واحدة.

إلا أن المنطقة ومع بداية القرن الثامن عشر واجهت تحولات سياسية عملت على تجزأة الإقليم لتعزل أوال عن الساحل الشرقي لجزيرة العرب فتواجه مصيرا مغايرا لما كانت عليه.
وقد بدأت هناك ظواهر عديدة للفتن وعدم الإستقرار مادفع الكثير من أهلها للإنتقال نحو أماكن متفرقة.

كانت بندرعباس والهند والكويت الناشئة حديثا والأحساء والقطيف وحتى دار السلام في جنوب الشرق الإفريقي ضمن الوجهات التي هاجر إليها البحارنة آنذاك.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن النواة الأولى التي تكون منها المجتمع الكويتي تشكلت قبل حوالي أربعمائة سنة ومع بداية سيطرة الخوالد على الإقليم حيث شكل البحارنة أغلب الرافد الديموغرافي, وقد توالت موجاتهم إلى هناك فشكلت الفترة التي نتحدث عنها أهم تلك الموجات.

على أن المنتقلين إلى الكويت هم في الغالب محترفي المهن البحرية كالقلاليف والطواويش والغواصين وغيرهم, وقد نقلوا معهم تراثهم الفني البحري المميز. بينما توجه فلاحي البحارنة في الغالب إلى الأحساء والقطيف.

ولكن طبيعة الإنتقال تاريخيا لم تكن دائما من أوال إلى الخارج, فهناك فترات كانت حركة الإنتقال معاكسة, فأهم مايحدد الوجهة عادة هو الحالة الإقتصادية والإستقرار السياسي المتفاوت عبر فترات التاريخ.

ولنا في قصة حياة الشيخ جعفر الخطي صاحب السبيطية دلالة كبيرة على هذا الواقع.
فالخطي وهو بن قرية التوبي في القطيف والمتوفي بداية القرن السابع عشر الميلادي كان قد انتقل من القطيف إلى البحرين وسكن جد حفص قبل أكثر من أربعمائة سنة, وقد لايكون وحده من انتقل إلى هناك بل كان معه آخرون انتقلوا لظروف معيشية أفضل وجدوها هناك.

أود العودة لملاحظاتي الكثيرة لأتحدث عن واحدة وجدت فيها تجسيدا للتماهي الثقافي وبدرجة أعلى الإثني بين البحرين اليوم والقطيف وهي حقيقة تستحق التوقف والدراسة وتتمثل في تسمي الكثير من عوائل القطيف بأسماء المدن والمناطق والقرى البحرينية، بحيث نكاد نجد لكل منطقة في البحرين عائلة تحمل إسمها في القطيف، فلدينا عوائل العرادي والماحوزي والدرازي والمقابي والغريافي والمناميين والدمستاني وغيرها، وكأن هؤلاء أبو إلا أن يوثقوا أسماء تلك المناطق بطريقة ملفتة.

نعم نستطيع أن نجد هذه الحالة في مناطق أخرى في العالم ولكن ليس بهذا الزخم الذي يبدو وأن له دلالات علمية برزت لتشكل لي لغزا لم أستطع استدراك مغازيه.

إلا أن التشابه الكبير بين لهجتي أهل وسط المنامة ووسط القطيف هو لغز آخر أود فهمه، وهو لغز لأنني وجدت اختلاف اللهجات بين مناطق في القطيف قد لايفصل عنها سوى شارع بعرض عشرة أمتار كما هو الحال بين الربيعية وسنابس تاروت.

هذه الحالة من التماهي الثقافي والإثني بين القطيف والبحرين وعلى الأقل فيما لاحظت تجعلني افترض توأمة ما بينهما، الأمر الذي أوحى لي بعنوان هذا المقال.


الأربعاء، 19 أكتوبر 2016

ممنوع من النشر


     
د. عبدالهادي الصالح

 عشيقة العراق للعراقيين

منطق عجيب غريب لتركيا لتبرير احتلالها ل  "بعشيقة " العراقية بمزاعم لا تعقل!  من مثل : يوجد اتفاق سابق ! وأسوة بتواجد ايران ودوّل اخرى ! ولحماية السنة العراقيين من الحشد الشعبي العراقي ! وللمشاركة في تحرير الموصل من الدواعش ! يعني على عينك يا تاجر، ودون اي اعتبار للسيادة العراقية على قراراتها وأراضيها. مما أثار غضب العراقيين، ونصحوا الرئيس التركي اوردغان بسحب قواته بكرامته، قبل ان تطرد بالقوة المسلحة ، بل اوردغان استهزأ برئيس الوزراء العراقي المنتخب بقوله ".. انك ليس بمستواي.."!! مما يذكرنا ب "بالولد المتكبر في هواش اليهال"!
هل تقبل تركيا ان تتدخل دولة ما وتحتل ارض من تركيا بدعوى دعم وحماية احد الأعراق او الفئات الدينية التركية !؟
نتمنى على اشقائنا الأتراك الذين يرفعون راية الاسلام، ويعملون على عودة المجد العثماني ان  يحتكموا الى احكام العدالة والجيرة . ويفترض على الموالين و الاخوان المحبين  لهم ان يسدلوا لهم النصيحة والحكمة. قبل ان تشتعل معارك اخرى  تلهي الإقليم عن عدو الجميع ، وخاصة ان العراق الآن يخوض معركة الموصل ضد الدواعش.


2016/10/17

يوميات مصرية - الحلقة الثالثة


 زكي السالم 

طوى الجزيرةَ حتى جاءني خبرٌ
فزعتُ فيه بآمالي إلى الكَذِبِ

    وجدتُني وصالحٌ ينقل لي خبره الصاعقة أرددُّ بيت الصديق المتنبي هذا بلا شعور ، وكأني أقنعُ نفسي أن حدثينِ جللينِ يفصل بينهما أسبوعٌ واحدٌ من الصعبِ توافقُهما فدماءُ أهلِنا بالقديح لم تزل عبيطةً في قلوبنا و الآن يدوّي خبرُ تفجيرِ العنودِ من جديد إنها الطامّة بحق ، كعادتي مع رسائل الواتس أكذّبها دائماً وأراها إشاعةً حتى يتبين العكس ولكن هذه المرة كان هذا العكس مع الأسف .. إحساسٌ غريبٌ ينتابُك وأنت بالغربةِ فترى كلَّ مصيبة ببلدك كبرى وإن كانت صغيرة ، فعلاً تعكّر صفوُنا وانقلب يُسر حالنا لعسر وفرحنا لترحٍ وكأني أتلمس صدى البحتري بيننا :

لو تراهُ علمتَ أن الليالي
تركتْ فيهِ مأتماً بعد عُرسِ

    اجترارُ الحزنِ ليس من عادتي واستدرارُ الدمعة لم يكن ديدني أبداً ولم أشأ تعكير هذه اليوميات المرحة بأسىً هنا أو لوعةٍ هناك لكنني لم استطع المرور عليها مرور الكرام وهي لحظاتٌ كانت مريعة لنا وَنَحْنُ نرقبُها عن بعدٍ .

    خرجنا ليلاً نتمشّى لعلنا نزيحُ بعض همٍّ ثقيل علق بِنَا ولكنَ كلما لقِيَنا مصريٌ وعلم اننا سعوديون سألنا .. إيه حكاية التفجير إللي عندكو ، ليُعيدَ مرارته بحلوقنا وليعيدنا الفندقَ من جديد .

    صباحا وفي الثامنة كان لنا موعدٌ مع تاكسي ليأخذنا لمنطقة الهرم وفي 7:50 دقيقة كنّا جالسين بلوبي الفندق ننتظره ولكنه تأخر حتى 8:30 تقريباً ، محسن كان دقيقاً جدا بمواعيدِه ونادراً ما يأتي في موعدهِ بل قبله بربع ساعة أو أكثر ونحن ضمن صفاتٍ حسنة قليلةٍ فينا أيضا منضبطون جدا في مواعيدنا ولذا كان غضبُه وغضبُنا شديدا على السائق وكنا سنفترسه بأسناننا وبألسنتنا الحِداد ولكن اعتذاره المتكرر حال دُونَ أن نحيله وجبةً سائغة في أفواهنا ، انطلق بِنَا كالبرق لمنطقة دَهشور لنرى الهرم المنحني ( المنكسر ) والهرم الأحمر وهي منطقة افتُتحت للسواح حديثاً وقد اختارها الملك سنفرو والد ( الحاج ) خوفو لبناء هرميه هذين وهما أقدم من أهرامات سقارة والتي زرناها مراراً عدة ولذا ارتأينا أن نزور أهرام دهشور هذه المرة .

    كنّا بشهر مايو وكانتِ الشمس قويةً على رؤوسنا والمنطقة صحراوية فكانت أشعةُ الشمس مُحرقة ولكن حبُّ المعرفةِ وشغف الاطلاع جعلها برداً وسلاما في قلوبنا ، محسن كان نعم الدليل والمرشد والمفصّل في شرحه فدخل بِنَا الهرم الأحمر ، كان له بابٌ أو قل كُوَّة يلج منها الزائرون وتحتاج أن تصعد درجاً طويلا للوصول لها فإن لم تكن لياقتك عالية ستخِرُّ في منتصف الدرج ولكنا وبفضل الله لدينا لياقة ( تهدِّ جبال ) فضلاً عن صعود هرم قديم فصعدنا حتى دخلنا من هذه الكوّةِ ثم مشينا في ممر طوله حوالي 60 متراً وارتفاعه 150 سم فدخلناهُ دخولَ مَن ضُربتْ عليه الذلة منحنين بل راكعين تقريبا ويبدو أن الفراعنة العظام ( المدردحين العِفلَنقِيّين ) كانوا يقصدون تركيعَ  الداخل لهم لِيبقوا حالةَ الغطرسة والكبرياءَ قائمةً شامخةً أمام عوادي الزمن ، وطوارق الحدَثان .

     المهم بعد نهاية الممر وجدنا أنفسنا بساحةٍ ضيّقة ارتفاعُ سقفها حوالي 15 متراً وفوقها أطنان من الصخور العملاقة وكل ما يوصلُنا للعالم الخارجي هذه الفتحة التي لا يتجاوز قطرُها المتر فَلَو أطبقَها الحارس علينا لمتنا يأساً قبل موتنا انتحارا أو اختناقاً ، لندع جانبا حديث الموت ولنعد للحياة فبعد جولة قصيرة داخل الهرم الأحمر خرجنا منه ليلفحنا لاهوبٌ حار ولكنه بالنسبة للهرم نسمة باردة عليلة .

    كنتُ قبل مجيئي مصر قد اقترحت على محسن أن يجول بِنَا بالريف المصري فواعدني بذلك حسب ما يسمحُ وقتُنا على حدّ قوله ولكنه وفي طريق عودتنا من أهرامات دهشور مرّ بِنَا بمنطقة ريفية مخضرة الجنان وبها نخل عالٍ ذكرتنا بالأحساء ونخيلها وتلك التعرجات الترابية في طرقِها جعلتنا نعيش الأحساء بمصر واقعا ملموسا ومحسوساً .

    عُدنا فندقنا قبل المساء بعد جولةٍ هرميةٍ وغداءٍ فاخر بأحد مطاعم منطقة الهرم في بَهوٍ كبير مفتوح كان خير فاتح لشهيةٍ كانت على وشك الانغلاق تماماً بما فاجأها من حدث أمس الأليم .

وللحديث بقية

الاثنين، 17 أكتوبر 2016

لقطة عن شاعر ( ٣ )


فائق المرهون


لم يكن عبدالوهاب البياتي (1926-1999) مجرد شاعر عادي ، بل مجموعة شعراء في رجل واحد ، فقد كان شعره يحمل عدة قضايا ، فخروجه إلى العالم الأرحب قضية ، كما إن تغربه عن وطنه العراق ، و موته بعيدا عنه قضية أخرى .

من المؤكد إن شاعرنا البياتي ، هو أحد أعمدة الشعر العربي التجديدي الحديث ، الذي خرج عن نطاق الأبيات العمودية ، و لكنه بقي محافظا على التفعيلة ، و على سلامة الوزن و الإيقاع .
فهو أحد أركان المدرسة الرباعية ، التي خرجت من العراق في أواسط القرن العشرين المنصرم ، و التي تتكون منه و من بدر شاكر السياب و نازك الملائكة و بلند الحيدري ، و التي تمسكت بأصالة الشعر العربي من جهة ، و خرجت به إلى آفاق أوسع من جهة أخرى ، و من بديهيات القول إن كل واحد من هؤلاء كون له مدرسة مستقلة فيما بعد .

خاض البياتي في التدريس بما أنه خريج آداب اللغة العربية من دار المعلمين ببغداد عام 1950 ، و في تلك السنة أيضا صدر ديوانه الأول ( ملائكة و شياطين ) ، ثم عمل بالصحافة و التحرير ، كما أنه انغمس بالسياسة مبكرا ، نتيجة عمله مستشارا ثقافيا للسفارة العراقية بموسكو ، و قد دفع ثمنا باهظا لمواقفه السياسية أكثر من مرة ، فقد فصل من وظيفته مرة ، و أسقط عنه صدام حسين الجنسية ، بسبب مشاركته في مهرجان الجنادرية بالرياض عام 1995 .

و قال حينها تأثرا :
من يملك الوطن
القاتل المأجور و السجان يا سيدتي
أم رجل المطر ؟
نازك و السياب و الجواهري
أم سارق الرغيف و الدواء و الوطن ؟


عاش شاعرنا في روسيا و أسبانيا ، كما في بيروت و دمشق التي فيها توفي ، و ذلك أعطاه فرصة التعرف على ثقافات عالمية ، لاشك أنه تأثر بها ، بل و أقام صداقات مع شعراء و نقاد عالميين مثل ناظم حكمت و نيرودا .

غرق البياتي في ثنائية الحب و الموت منذ بداية أعماله الشعرية ، ( كأبارق مهشمة ، و سفر الفقر و الثورة ) ، كما إنه تحول و تعمق في ثنائية الحزن و المنفى ، كما في دواوين ( كنت أشكو إلى الحجر ، أشعار في المنفى ، الموت في الحياة ) .

و بما إن لكل شاعر سعاد خاصة به ، التي هي
رمزية لها كينونتها في إحساس شاعرها ، فالبياتي كانت ملهمته (عائشة) ، فالظلم و الطغيان و المرارة التي عاشها منفيا ، زادت من حالات الإحتراق في معراج الكتابة لديه ، فجعل من عائشة ليس رمزا عاطفيا فحسب ، بل توغل بها في أبعاد النفس و التطلعات الإنسانية للثورة و التحرر .

فيقول عنها في أحد شعاره :
عائشة ليست هنا ، ليس هنا أحد
فزورق الأبد
قضى غدا و عاد بعد غد
عائشة ليس لها مكان
فهي مع الزمان ، في المكان
ضائعة كالريح في العراء
و نجمة الصباح في المساء .

قدم شاعرنا زهاء عشرون ديوانا ، و بضعة كتب نثرية و ترجمات مختلفة ، و ضع فيها تجربته الطويلة ، و خلاصة ثقافاته المتعددة ، و سبغ عليها رؤيته و فكره ، و عن ذلك يقول " لقد كان شعري و سيلتي و غايتي ... و أخلصت للشعر لا على إنه رسالة إنسانية فقط ، بل على إنه فن صعب أيضا " .

حتما إن أي شاعر يحلم بانتشار شعره ، خارج النطاق المحلي و العربي ، و بالطبع - ذلك يحتاج لأدوات و قدرات خاصة ، و توفر ظروف موضوعية تتزامن معها ، و لا نعني هنا التغريب و التقليد ، بل الإطلاع و إعادة الصياغة ، و المزج بين مفهوم الشاعر المحلي و مفهومه العالمي ، مع  المحافظة على أسس القصيدة ، و ذائقة المتلقي العربي ، و إلا أصبح هذا الشعر خاليا من العاطفة الصادقة ، و مات غريبا عن قراءه ، كما حصل لشعراء آخرين !
و البياتي كان قادرا على هذا المزج و الترابط ، فقد تعمق في الفلسفة و التصوف لقراءاته لابن عربي و جلال الدين الرومي ، كما أنه تأثر بطاغور ، فيلسوف الهند و شاعرها الكبير ،

فيقول في قصيدة ( سأنصب لك خيمة في
 ( الحدائق الطاغورية  ) :
غزالة تأتي من البحر
و زهرة تطلع من صدري
و ساحر يحمل في كفه
صاعقة الميلاد و الموت
و خلف سور الليل صفصافة
يغسل عينيها ندى الفجر
تنشر في الليل مناديلها
و تغمس الأوراق في النهر .

و إذا كان البياتي برع في تنوع الموضوع بشعره ، من وحي تجربته الثورية و المعرفية العميقة ، و إيغاله في مخالفة أنظمة بلاده الإستبدادية ، فهو أيضا عاش تجاربه الذاتية العميقة في الحب ، الذي كان له مفهومه الخاص فيه " بحيث يحول الأسطورة إلى واقع ، و الواقع إلى أسطورة ، و هي جهات الشاعر الحقيقية حسب ما يرى " .

يقول في مقطوعة  ( الوحدة ) من مجموعة قصائد من فيينا :
كقطرة المطر
كنت وحيدا
آه ياحبيبتي ، كقطرة المطر
لا تحزني
سأشتري غدا لك القمر
و نجمة الضحى
و بستانا من الزهر
غدا إذا عدت من السفر
غدا إذا أورق في ضلوعي الحجر .


ليس بالهين الحديث عن شاعر عميق و كبير كالبياتي ، فتجربته الثرية حملت العالم في كفيها ، و لا يمكن لمقال متواضع كهذا ، أن يفي به حقه أبدا ، فرسائل الماجستير و الدكتوراه كتبت عنه كثيرا ، و الدراسات العربية و الأوروبية عن شعره ليست باليسيرة ، و لكنها مجرد محاولة قاصرة ، تستهدف جيل قد لا يعلم عنه الكثير .

لعلي أيضا أرشح بعضا من قصائد الشاعر الكبير ، التي تأخذ مجالا في الذائقة الأدبية و النفسية لكل متطلع منها :
- قمر شيراز
- الرحيل إلى مدن العشق
- المعبودة
- العودة من بابل
- أغنية إلى ولدي علي
- قصائد حب إلى عشتار


و إلى لقاء مع شاعر آخر








الأحد، 16 أكتوبر 2016

صفحة بيضاء

علي عيسى الوباري


لم تترك لي مجالا اكتب في ورقتي البيضاء ما أريد فقد مزقت مشاعري قبل تمزيق الأوراق ، حاولت أخذ الكحل من مقلتيك و ارسم صدى احساسي على راحة يدي حتى لا أنسى ما كتبت ، تأملت عينيك كثيرا ارى شعاع الضوء ينعكس على مرآة أيامي التائهه بين دهاليز الأيام
هل تتذكر عندما اهديتني ص
ندوق وردي حاولت افتحه بمفتاح سقط من بين أناملي ، قلت لي اتركه يستريح مدفونا في أعماق التراب ، حاولت الملم ما بقي يتقاطر من شغاف قلبي على قصيدتي التي تبخرت في سحابة مشاعرك الدخانية ، يممت وجهي نحو اشجار الشارع الطويل ارى كل الاوراق الخضراء تتساقط و تبقى الاوراق الصفراء ، كنت اظن اني في خريف السنة حتى تأملت من نافذة الزمن تقويم يشع منه نور زهور الربيع ، تذكرت و أنا اتصفح كتاب عن الالغاز اني وضعت وردتك بين صفحاته و التصقت الونها على الصفحة حتى تحيرت أي لغز احل ؟.
استوقفتي زقزقة عصفور يبحث عن عشه بين الشجرة و الحائط حتى اصطدم بجدار ساخن و بقي معلقا على غصن يابس ، الاحق ورقة شجرة خضراء في مهب الريح ، لم انتبه اني سبقتها فقد زفتني العاصفة بعيد وراء الظلال ، كنت احدق في عشق البلابل و اتساءل كم هي صادقة بفطرتها ؟.
احترق اصبعي عندما اعدت اشعال شمعة الذكريات ، فراجعت نفسي قلت ابقى في ظلام دامس اتوارى عن شعاع كاذب يختفي مع اشراقة شمس كل يوم .

السبت، 15 أكتوبر 2016

الترفيه الذي نريده ويناسبنا


أمين الصفار

الدول التي حققت نقلات نوعية و
مستوى رفاهية عالي على المستوى الاقتصادي والاجتماعي بين دول العالم لم تكن بالضرورة هي الأكثر دخلاً على مستوى الافراد وان كان مرتفعًا مقارنة بغيرهم. بل حتى تلك الدول المتقدمة  المعروفة بالأكثر دخلاً للأفراد نجد أن ضرائب الدخل فيها تنهش دخل الفرد حتى تصل تلك الضرائب الى ما يزيد عن ٥٠٪‏ من دخل الفرد المرتفع. وما يحقق الرضا والتوازن بين نسبة الضرائب المرتفعة والدخول هو أن هذه الضرائب تٌصرف على الخدمات الاساسية ذات المواصفات العالية الذي يدخل من ضمنها ما نسميه ترفيهًا.


هناك ترفيه منتج وفاعل وهو القائم على أساس تقديم الخدمات العامة اولاً كالتعليم والصحة والخدمات البلدية والبنى التحتية، والتي على اساسها تنشأ الخدمات الترفيهية كحاجة تلقائية تستند عليها -في حلقة مترابطة- الخدمات الاساسية وتصبح جزء منها.

فعندما تكون الاحياء التي نسكنها مخدومة بالخدمات الاساسية وعلى درجة مقبولة من المعايير الدولية سوف يعتبر هذا ترفيهًا متصل بالخدمة الاساسية، وبالتالي يقل تلقائيًا الشعور بالضيق والبحث بهستيريا عما يسمى ترفيهًا.

عندما استطيع إنجاز معاملاتي الحكومية المختلفة خلال فترة وجهد معقولين وباحترافية عالية وبدون اي استرحام لأحد، وبالتالي يقل تلقائيًا الشعور بالضيق والبحث بهستيريا عما يسمى ترفيهًا.

عندما يستمتع الطلبة في مدارسهم بمستوى عالي من الاحترافية في بيئتهم المدرسية، وبالتالي يقل تلقائيًا الشعور بالضيق والملل والبحث بهستيريا عما يسمى ترفيهًا.


ماذا ينفعنا الترفيه إذا كانت أجسامنا هي عبارة مجموعة  من الأمراض نحملها معنا ونتنقل بها؟ ماذا ينفعنا الترفيه إذا كان تعليمنا ووعينا أقل من القدرة عن التعامل بحكمة حتى مع ابسط أنواع الترفيه؟

 الترفيه يصبح شكلي استهلاكي  مرضي اذا قام على أسس غير صحيحة، بحيث يكون منفصل عن الخدمات الاساسية، فكل منهما يعيش في جزيرة منفصلة لا يتأثران ببعضهما إلا تأثيرًا سلبيًا، حينها يصبح الترفيه شيء مصطنع وغريب لأنه خٌلق فقط لملئ فراغ غياب الخدمات الاساسية ،  فينحصر دور الترفيه في علاج ظاهري للآثار السلبية لغياب الخدمات الاساسية أو لردائتها، فيصبح كوجه إمرأة عجوز تحاول إخفاء آثار الزمان على وجهها بكل ما استيسر من المكياج.

لعل هيئة الترفيه يمكنها أن تلعب دورًا مهما وهو دور ضابط الجودة لكل الخدمات الاساسية الكثيرة التي تقدمها الدولة، وأن تأخذ صلاحية وضع معايير الجودة /الترفيه على هذه الخدمات، صُم التركيز  على الترفيه كفعل ثقافي، وألا تكتفي بأن تكون جهاز حكومي إضافي يقدم خدمات يستطيع اكثر من جهاز حكومي أخر  منفردًا تقديمها.

بعض الدول المشهورة سياحيًا، تستخدم إنشاء المدن الترفيهية الضخمة لخدمة سمعتها سياحيًا ، لكننا في المملكة نحتاج دوما أن نفرق بين ممارسة الترفيه والترويح، وبين ممارسة الهروب من الشعور بأن الواقع ضاغط ومعاكس لما نريد ونتطلع إليها، والشعور لا يمكن تجريمه.

الجمعة، 14 أكتوبر 2016

رد الأستاذ عاطف آل غانم على مقال للشيخ عائض القرني بخصوص الإحتفال فرحاً في * يوم عاشوراء *

عاطف آل غانم


فضيلة الشيخ الدكتور عائض القرني هدانا الله وإياه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

قرأت مقالك المنشور في صحيفة الشرق الأوسط «يوم الثلاثـاء 09 محـرم 1430 هـ 6 يناير 2009 العدد 10997» بشأن يوم عاشوراء والذي جاء بعنوان «يوم عاشوراء..يوم شكر لا يوم نياحة»، حيث ذكرت في مستهل حديثك:

«قدم صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم عن سبب صيامهم قالوا هذا يوم نجى الله فيه موسى من فرعون فنحن نصومه شكراً، فقال: نحن أولى بموسى منكم، فصامه صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه»

ثم تابعت حفظك الله حديثك وقلت:

«ويوم عاشوراء هو صيام وشكر وعبادة وليس نياحة، والحسين بن علي الشهيد رضي الله عنه ولعن قاتله لا يرضى لو كان حياً ما يقع في ذكرى استشهاده من لطم للخدود وشق للجيوب وتجريح للأجساد فهذا كله مما نهت عنه الشريعة، ونشكر عقلاء الشيعة الذين نهوا أتباعهم عن هذا العمل البدعي الخرافي وأنكروا على من فعله لأنه مخالف للسنة وفيه تشويه لصورة الإسلام الجميلة البهية.» انتهى كلامك.

وهنا أود أن أذكر بعض النقاط التي غابت عن ذهنك وأذهان من يوافقونك الرأي:

أولاً: قولك بأن الله نجى نبيه موسى من فرعون في يوم عاشوراء فهذا أمر مغلوط ولا يحتمل أي مجال للصحة، والسبب في ذلك أن نبي الله موسى عاش في عهد الفراعنة «الفرعون هو امنحوتب الثالث من فراعنة الأسرة الثامنة عشر» والذي يعود إلى أربعة آلاف سنة قبل الميلاد، فمن أين عرف اليهود القادمون للرسول أن النجاة كانت يوم عاشوراء؟ وهل كان الفراعنة أساساً يعرفون يوم عاشوراء؟

ليس هناك أي تاريخ مدون للفراعنة مذكور فيه كلمة «عاشوراء» إذا أن أسماء الأيام والأشهر الفرعونية ليست عربية في الأصل، وإنما أسماء فرعونية باللغة الهيروغليفية والأشهر مرتبة كالتالي: توت، بابه، هاتور، كيهك، طوبة، أمشير، برمهات، برمودة، بشنس، بؤونه، أبيب، مسرى، وهي أسماء السنة القبطية المعروفة في مصر والتي استخدمها الفراعنة لضبط مواسم الزراعة، وهي أيضاً أسماء لآلهة عند قدماء المصريين. ثم أن التقويم لدى المصريين القدماء مرتبط بظهور نجم في الشمال فى فجر أول أيام فيضان النيل يعرف بنجم الشعرى اليمنية أو sirius، بينما التقويم الهجري يعتمد أساساً على دورة القمر التي تقابل الدورة الشمسية، لذا فإن العام الهجري أقل من العام الميلادي بأحد عشر يوماً، فهل من المعقول أن يستمر التقويم على ما هو عليه من أيام الفراعنة إلى عهد الرسول دون أن يتقدم يوم أو يتأخر يوم، فضلاً إنه لم يكن هناك «عاشوراء» لدى الفراعنة كما أشرت لك مسبقاً.

ثم أن التقويم الهجري يا شيخ يعود إلى عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب وهو أول من بدأ التأريخ للأشهر القمرية بهجرة من مكة إلى المدينة، إذ جعل هجرة الرسول أول التقويم الإسلامي، وكان ذلك عام 622 ميلادية، وقد كان ذلك يوم الأول من المحرم من العام الهجري يقابل السادس عشر من يوليو عام 622 من الميلاد، ولا يخفى عليكم أن أسماء الأشهر العربية كانت معروفة لدى العرب وليس الفراعنة، وما سمي محرم بهذا الاسم إلا لأنه العرب حرموا فيه القتال، فلا يعقل أن يكون هناك يوم «عاشوراء» لدى الفراعنة يصادف زمنياً «عاشوراء» من شهر محرم لدى العرب. أضف إلى ذلك أن التقويم اليهودي العصري والذي يرجع تصميمه إلى سنة 359 للميلاد في موسم الخريف في سبتمبر أو مطلع أكتوبر حسب التقويم الميلادي وتكون أسماء الأشهر وترتيبها كالتالي:

تشريه: 30 يوما
حشفان: أو حشوان، 29-30 يوما
كسليف: أو كسلو، 29-30 يوما
طيفيت: أو طيبت، 29 يوما
شفاط: أو شباط، 30 يوما
آدار: 29 يوما
نيسان: 30 يوما
إيار: 29 يوما
سيفان أو سيوان، 30 يوما
تموز:29 يوما
آب:30 يوما
إيلول: 29 يوماً

وصحيح أن رقم عشرة العربي يلفظ باللغة العبرية «عيسير» إلا أن هذا موضوع مختلف، فنحن نتكلم عن عهد النبي موسى الذي عاش في عهد الفراعنة كما أسلفنا، وكانت لغتهم هيروغليفية وليست عبرية.

وقبل أن أنتقل إلى النقطة التالية، هل لك يا شيخنا الفاضل أن تذكر لنا في أي شهر فرعوني على الأقل نجى الله النبي موسى من بطش فرعون؟ فلا يصح أن نذكر يوماً بالرقم ونقول «العاشر» وهو غير منسوب لشهر محدد. حيث أن عاشوراء سمي بذلك لأنه يوم العاشر من محرم، ألا يمكن أن يصادف عاشوراءنا العاشر من بابه أو أمشير أو أبيب من الأشهر الفرعونية؟ ويكون بذلك العاشر من صفر أو ربيع أو حتى رمضان المبارك. ولا تنس يا سيدي الكريم اختلاف التوقيت كل عام بين التقويم العربي والتقويم الغربي، والفرق بين التقويمين فقط 579، فهل من المعقول أن يتوافق التقويم الهجري مع الفرعوني الذي يفرقه بـ 4579 سنة تقريباً؟!

وللمعلومية يا دكتور أن التحول من التقويم الفرعوني المرتبط بحكم الفراعنة جاء مع اعتلاء الإمبراطور الرومانى دقلديانوس للعرش عام 284 ميلادية عندما قرر المسيحيون في مصر اعتبار هذا العام بداية لتقويم جديد يعرف بتقويم الشهداء، نظرا لأن عهد دقلديانوس شهد اضطهادا واسع النطاق للمسيحيين.

ثانياً: إذا كان الرسول قد وقف مع اليهود وقفة إنسانية نبيلة وواساهم في من نجا من بطش فرعون.، فجميل ما ذكرت يا شيخ، ولكن ألم ينجي الله نبينا محمد من كيد الكفار ليلة مبيت الإمام علي في فراش النبي؟ ألم ينجي الله النبي من كيد قريش يوم لجأ الرسول لغار " ثور" لينجو وصاحبه من مكر قريش؟

أليس أولى بالمسلمين أن يتخذوا هاتين المناسبتين ذكرى جميلة يحيونها بالشكر والصوم كما تفضلت؟ فالأولى أن نفرح لنجاة نبينا أكثر من نجاة النبي موسى ، وما ولادة النبي إلا فرحة كبيرة للأرض والسماء، فلماذا تحرم علينا أن نفرح بمولده؟ ثم لماذا لم يصم النبي يوم نجّا الله نبيه إبراهيم «أبو الأنبياء» من نار النمرود، أو نبيه نوح من الطوفان، أو يوم رفع النبي عيسى للسماء، وباقي الأنبياء من المصائب الهالكة التي أصابت أقوامهم؟ لماذا خص النبي محمد النبي موسى فقط بهذه المناسبة وهو ليس أفضل من غيره من الأنبياء؟

القياس بهذه المناسبة:

وبما أن المذهب السني يعمل بالقياس عند بعض الفقهاء، فلماذا لا تقيس ما فعله الرسول من أنه صام عاشوراء كما فعلت اليهود «كما ذكرت في مقالك»، لماذا لا تقيس بذلك أن نبارك على الأقل لليهود بأعيادهم وللنصارى بمولد المسيح ؟ وهاتان مناسبتان سعيدتان، وأنت ممن يدعوا للفرح والشكر لا للبكاء والنياحة والعويل، فتعال أنا وأنت نفرح معهم ونشاركهم أعيادهم، ولا تقل لي أن الرسول نهى عن التشبه بالكفار حيث أنك قلت أنه صام عاشوراء كما تصومه اليهود، فهو لم يبارك لهم فقط، بل فعل كما فعلوا، ومعاذ الله أن يفعل ذلك وهو رسول الدين الكامل الذي لا ينقصه شيء ليكمله من ديانات أخرى ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾[1] . ولا أظنك لا تعلم أن الرسول نهى عن صيام يوم السبت مفرداً لأن اليهود تصومه وتعظمه، فلماذا صام عاشوراء مفرداً وهو يوم تعظمه اليهود أيضاً؟

ثم ألا ترى أيها الشيخ الجليل أن اليهود في العالم اليوم لا يصومون يوم عاشوراء، بل إنهم لا يعرفون ما هو عاشوراء أصلاً لأنهم معنيون بالتقويم الغربي وليس الهجري، فهل ستستشهد بكتب اليهود بأنهم يصومون عاشوراء لتثبت صحة كلامك وتعتبر أن الاستشهاد بكتبهم جائز؟

ثالثاً: ذكرت أن البكاء على الشهيد الحسين منهي عنه في الشريعة الإسلامية وأن عمل ذلك يعتبر من البدع والخرافات. لن أطيل في هذه النقطة، إلا إنني أريد أن أذكر لك بعض الأحاديث الواردة في البكاء على الحسين قبل ويوم وبعد استشهاده:

• عن عبد الله بن نُجَي عن أبيه أنه سار مع عليٍّ وكان صاحب مِطْهَرَتِهِ، فلمَّا حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين، فنادى عليٌّ: اِصْبِر أبا عبد الله، اِصْبِر أبا عبد الله بشط الفرات. قالتُ: وما ذاك؟ قال: دخلتُ على النبي ذات يوم وعيناه تفيضان، قلت: يا نبي الله ! أغضبك أحد؟ ما شأن عينيك تفيضان؟ قال: "بل قام من عندي جبريل قبل، فحدَّثني أن الحسين يُقتل بشطِّ الفرات. قال: فقال: هل لك إلى أن أُشمَّك من تربته؟ قال: قلت: نعم، فمدَّ يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها، فلم أملك عَيْنَيَّ أن فاضتا. [2]

• أمطرت السماء يوم شهادة الحسين دما، فأصبح الناس وكل شيء لهم مليء دماً، وبقي أثره في الثياب مدة حتى تقطعت، وأن هذه الحمرة التي تُرى في السماء ظهرت يوم قتله ولم تُر قبله.[3]

• لم تبكِ السماء إلا على اثنين: يحيى ابن زكريا، والحسين، وبكاء السماء: أن تحمر وتصير وردة كالدهان [4]

• حدثنا أحمد بن اسرائيل قال رأيت في كتاب أحمد بن محمد بن حنبل رحمه الله بخط يده أن أسود بن عامر بن عبد الرحمن بن منذر عن أبيه قال: كان حسين بن علي يقول ةمن دمعتا عيناه فينا دمعة أو قطرت عيناه فينا قطرة أثواه الله عز وجل الجنة.[5]

والأحاديث الواردة في هذا الشأن كثيرة لا يتسع المجال لذكرها، فلماذا لا تفعل كما فعل الرسول وتبكي الحسين بدمع تفيض منه عيناك، لقد أمطرت السماء دماً على الحسين، وتأبى عينك أن تذرف دمعة على الحسين الشهيد.

لقد قلت أنت في الحسين في قصيدتك «أنا سني حسيني»:

بكى البيت والركن الحطيم وزمزم ودمع الليالي في محاجرها دمُ

ولكنك قلت فيها ايضاً:

ولكنني وافقتُ جـدك في العزا فأخفي جـراحي يا حسـين وأكـتمُ

وكأنك لم تعلم أو تقرأ يا شيخ عائض أن الرسول لم يخفي ولم يكتم جرحه وحزنه على ريحانته الحسين ، وهو الذي قال فيه:

«حسين مني وأنا من حسين»

هداك الله وإيانا إلى طريق الحسين، ونهج الحسين، وإباء الحسين وحرصه على دين جده، وحشرنا الله وإياك مع الحسين وجده وأبيه وأمه وأخيه والسر المستودع فيه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخوك في الله: عاطف آل غانم
_______
[1] الأنعام - 38

[2] من كتاب "الأنوار الباهرة" لأحد علماء أهل السنة، وهو أبو الفتوح التليدي، ص105، وقال أبو الفتوح مُعلِّقاً: رواه أحمد 1: 85 بسند صحيح. وأورده الهيثمي 9: 187 برواية أحمد والبزار والطبراني وقال: رجاله ثقات. انتهى. ومعنى "المطهرة": الإناء الذي يُتطَهَّرُ منه. ومعنى "وعيناه تفيضان": تدمعان. وفي رواية أخرى في كتاب "مجمع الزوائد" للحافظ الهيثمي «9/188» أنَّ بكاء النبي صلى الله عليه وآله كان بدرجة من الشدة، بحيث سمعت أمُّ سلمة صوت تردُّد البكاء في صدره الشريف من خارج الحجرة. ونصُّ موضع الشاهد من الرواية: "فدخل الحسين فسمعتُ نشيجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي..." إلخ الرواية.

[3] ذخائر العقبى 144-145-150، تاريخ دمشق 4/339، الصواعق المحرقة 116 و192، الخصائص الكبرى 126، ينابيع المودة للحمويني 320 و356، تذكرة الخواص 284

[4] تاريخ دمشق 4/339، كفاية الطالب 289، سير أعلام النبلاء 3/210، تذكرة الخواص: 283، الصواعق المحرقة192، ينابيع المودة 322، تفسير القرآن لابن كثير 9/162، إحقاق الحق 11/476-478

[5] فضائل الصحابة - أحمد بن حنبل

الأربعاء، 12 أكتوبر 2016

كتب على قارعة الطريق

رياض الشيخ باقر


جئت الى مدينة بورتلاند بولاية أوريجن الأمريكية لتسجيل أبنتي في جامعة الولاية بالمدينة ، و انشغالي كان منصبا على سكن و راحة أبنتي و أندماجها في المجتمع الجامعي الجديد ، وقد كان توفر السيارة عندي ، أتاح لي فرص كثيرة للإطلاع  على المدينة و جمال منتجعاتها و أنهارها ، وهي بحق مدينة جميلة و نظيفة و منظمة جدا ، ومن ذلك اطلاعي على سكن العوائل من أهالي المدينة داخل الأحياء بمختلف طبقاتها و مستوياتها .

ان السكن الذي سكنا فيه ، مطل على الحرم الجامعي الذي يقع جنوب غرب مركز المدينة ، وكان في الأسفل ( الدور الأرضي ) عند الجلسات الخارجية في الزاوية المقابلة للمكتبة و لمركز اتحاد الطلبة للجامعة " كشك " شبه دائم لتوزيع الكتب القديمة بسعر مخفض جدا جدا ، أو للإستعارة المجانية لكامل مدة الفصل الدراسي " التيرم "
وهذه الفعالية يقوم بها اتحاد الطلبة بدعم كامل من إدارة الجامعة ، وهذه الفعالية طبيعية جدا في حرم جامعي مكتظ بالطلبة ، فعدد طلاب جامعة الولاية ببورتلاند يناهزون الثلاثين الف طالب ، و تعدد " المظلات " في البهو الخارجي للحرم ، التي تدار فيها الكتب الجامعية المستعملة أمر طبيعي جدا
لكن ما فاجأني عند تجوالي داخل الأحياء السكنية التي يقطنها العوائل ، هو وجود أكواخ صغيرة منصوبة في الأماكن العامة للأحياء الصغيرة  تحتوي على الكتب المقروءة ، و يرغب أصحابها لإعارتها الى الآخرين سواء بالإستعارة ومن ثم ترجيعها أو بأخذها مقابل وضع كتاب بديل عنها ، وقد كنت أظن أن " أكواخ الكتب " بمدينة بورتلاند لا تعد ظاهرة ، و غفلت عنها ، الى أن رأيت هذه الأكواخ منتشرة في ارجاء متعددة في الأحياء السكنية ، وهي ظاهرة للعيان فاحببت يوما أن ألقي نظرة على احد تلك الأكواخ ، و سعيد أنا أني فعلت ذلك ، حيث ألقيت نظرة على ثلاثة أكواخ ( أنظر الصور المرفقة ) في احياء سكنية متفرقة ، و كانت أكثر مواضيع الكتب هي على النحو المتسلسل التالي :
- روايات
- كتب اقتصاد
- كتب اعمال يدوية و حرف
- كتب عن تزيين الحدائق
- كتب عن الديكور الداخلي للمنازل
- كتب دينية
- كتب التسويق و المال

لقد رأيت في هذا الموضع  من أهمية في نشر العادات الجملية و الحسنة ، ولما لدلالاتها في تقدير العلم و احترامه من خلال احترام الكتاب عبر تدويره لأكثر من قاريء ، و فكرة أكواخ الكتب على قارعة الطريق تصب في ذلك ،فهي تَخَلَّق مجتمعا قارءا يسعى وراء المعرفة و يحبها و يحب الآخرين أن ينالوها عبر تسهيل و تيسر ذلك لهم وقد تكون انعدام الكلفة عبر استعارة الكتاب أو أهدائه هو الطريقة المثلى لنشر المعرفة.

كما أني أخذت كتبا من هذه الثلاثة  الأكواخ و لقطت صورة لكل كتاب ، ولكني سأرجع كتب الروايات فورا و سأحتفظ بالآخرين الى أن أتم قرائتها و يبدو أني سأحتفظ بواحد منها ، وعلي أن أجد البديل و استودعه في كوخ الكتب.














الثلاثاء، 11 أكتوبر 2016

قصة كربلاء الحسين عليه السلام

د .عبدالهادي الصالح



طالما حذر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمته من الفتن من بعده. وبين لهم سبيل النجاة (أني تارك فيكم الثقلين..) بل بالغ في تشخيص العلامات ومنها قوله للصحابي عمار بن ياسر: «تقتلك الفئة الباغية». وقوله: (باكيا وفي حضنه سبطه الحسين عليه السلام) للصحابية ام المؤمنين: «يا أم سلمة، اذا تحولت هذه التربة دما فاعلمي أن ابني قد قتل»!
وبالفعل توالت الفتن من بعده، واشتعلت الحروب بين المسلمين مثل ما يعرف بالردة والجمل وصفين..الخ. وهدأت قليلا مع صلح الامام الحسن عليه السلام، قبل ان ينقض! وتحكم دولة بني أمية، ويطول قيادتها الفساد بأنواعه، ثم تطلب الإقرار الشرعي لها من الامام الشرعي الحسين عليه السلام، الذي رفض بشدة وأعلن ثورته «أيها الناس ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله، ناكثا لعهد الله، مخالفا لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالاثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله ان يدخله مدخله، ألا وان هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله، وحرموا حلاله، وأنا أحق من غير». «...ومثلي لا يبايع مثله!».
ويتم تهديده بالقتل ولو تعلق بأستار الكعبة ! فيخرج من مكة ومعه ثلة من أهل بيته وأنصاره، متجهين الى الكوفة، حيث زعم أهلها انهم مؤيدوه وناصروه في ثورته. وحالما علمت السلطة الأموية، أرسلت الى الكوفة من مارس فيهم التهديد والتعذيب والقتل والسحل في الشوارع، فأشاع الرعب فيهم، مما جعل أهل الكوفة يتراجعون عن نصرة الحسين عليه السلام.
ثم ارسلت جيشا كبيرا لمواجهة الامام الحسين عليه السلام. حيث التقيا في مكان يقال له «كربلاء». وتمت مفاوضته مرة اخرى اما ان يقر ويعلن تأييده لهذا النظام السياسي، فيكافأ بما يرغب من مكاسب ومزايا دنيوية، وإلا فليواجه العطش والقتل ! وحاول الحسين عليه السلام ان يثنيهم، مذكرا إياهم بوصايا الرسول صلى الله عليه وآله فيه، ويبين لهم منزلته وانه سبط نبيهم، ابن فاطمة الزهراء..الخ. لا يحل لهم قتله. ولكن القوم أصروا على مطلبهم. وهنا اعلن فيهم «.. لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر إقرار العبيد». «هيهات منا الذلة». «..أني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برما».
وتمهيدا لمعركة القتال، أقدم الجيش الأموي على منع ماء الفرات عن معسكر الحسين وأهل بيته، قبل القتال الذي طال الأطفال والنساء! ثم تجرأوا على ذبح الامام الحسين عليه السلام عطشانا غريبا، ومثلوا بجثته الشريفة ! ثم سبي نساءه، ومنهن السيدة زينب عليها السلام، التي عملت على تجذير الثورة الحسينية، واستثمارها اعلاميا.
لذلك لا يزال الامام الحسين يشع حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدا. ولا يزال مخلدا، وهذه كلماته المخضبة بدمه الزكي تدوي في كل زمان ومكان «إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي»، فتبقى أنشودة في فم الاحرار، ومنهاجا لكل الثائرين في وجه الفساد والظلم.
٭ مصادر: تاريخ الطبري 227/6 - ابن الأثير 9/4 - ابن كثير 172/8 وغيرها(انظر معالم المدرستين للعسكري ج 3)

ثورة الحسين (ع) .. وأنموذج المرأة الفريدة!



د. فاطمة أنور اللواتي


إنها القوة التي تصنع المستحيلات. ليست قوة البدن بل هي الروح التي تحمل فرادتها وجاذبيتها وقوتها لتمد محيطها بمعين ونبع حياة فريد من نوعه. إنه نبع يستمد أصله و فرادته وروحه من قِيَم لا تدركها إلا تلك النفوس القوية بعزمها وروحها وإيمانها. إنها نفوس ثلة من نساء آمنَّ بالله إيمانا سمت به نفوسهن إلى علياء وأمدت من حولهن بشموخ وكبرياء، فهن للفرادة عنوان وللبطولة صور ناصعة البياض بارزة للعيان!

لم تختلط دماؤهن ببيت النبوة ولكن اختلطت أرواحهن بقيم الرسالة. فنلن شرف الجهاد بكلمات وأفعال كانت امتدادا لعطاء خطَّ نهجاً لكل حر وأبي إمرأة كانت أم رجلا. فقد كانت صدى أفعالهن التي غيرن بها التاريخ ممتدا بامتداد الثورة، فكانت لهن بصمات واضحة المعالم قبل الثورة الحسينية واثناء الثورة وبعد الثورة.

امتزجت فطرة نفوسهن الطاهرة بنقاء كلمات الإمام الحسين عليه السلام حينما قال: “أيها النّاس..إنَّكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحقَّ لأهلهِ يَكُن أرضى لله، ونحن أهل بيت محمد أوْلى بولايةِ هذا الأمر من هؤلاء المدّعين ما ليسَ لهم، والسائرين بالجور والعدوان”. فبين خطين واضحَيِ المعالم، اختارت النساء المؤمنات خط ولاية محمد وآل محمد(ص). اختيار قام على بينة ومعرفة من الأمر، فكان عطاؤهن المتميز بالتنوع والتفرد يحكي صوراً متعددة الأشكال لحكاية واحدة في جوهرها مختلفة التفاصيل في مظهرها إنها حكاية التضحية والإيمان.

فحكاية “مارية بنت منقذ العبدي” كانت حكاية العطاء المادي والتشجيع الذي ألهبت به رجال أسرتها فتحركت رجالاتها للتفاني مع ابن بنت رسول الله (ص). فحينما عرفت مارية بوصول رسائل الامام الحسين (ع) إلى أشراف البصرة، قالت كلمتها التي دوت في جنبات التاريخ قائلة: ويلكم ما أغضبني أحد، ولكن أنا امرأة ما أصنع؟ سمعتُ أن الحسين ابن بنت نبيكم استنصركم وأنتم لا تنصرونه”. وحينما اعتذروا بعدم امتلاكهم السلاح والراحلة، صبت أمامهم الدراهم و الدنانير وهي تقول: “ليأخذ كل منكم ما يحتاجه ولينطلق إلى نصرة سيدي ومولاي الحسين”.

نصرة الحسين هي التي قزمت كل المخاوف والمخاطر أمام “طوعة” التي آوت سفير الحسين إلى الكوفة الملاحَق من أزلام يزيد وحاشيته. فحينما وقف مسلم بن عقيل أمام بابها غريبا عطشانا بلا مأوى ولا أنصار طالباً منها شربةً من ماء، فكانت أرأف عليه من بلسم تلك القطرات التي روته من الظمأ. وحينما وجدته جالسا أمام بابها قالت له: “سبحان الله إني لا أحل لك الجلوس على بابي..” لكنها ما أن عرفته لم تبالِ بخطر الموت أو الإيذاء وإنما تجلت شجاعتها وشهامتها وفرادتها التي استمدتها من ذلك الحب المحمدي، فآوته إلى بيتها غير مبالية بجيوش الذل والدناءة، لأنها رأت الحرية والإباء نصب عينيها.

نعم هي الحرية والإباء اللتان جعلتا ” دلهم بنت عمرو زوجة زهير بين اليقين” تعتق زوجها من زيف العبودية. هي الإباء والعلياء والأصالة والفرادة التي آلت إلا أن تجعلها سببا في خلاص زوجها الذي احاطته بحلقة الحب اللا أبدي. فزهير بن القين كان عثماني الهوى ولم يكن راغبا في ملاقاة الامام الحسين (ع). لكن.. حينما أتاه رسول الإمام، قالت له زوجته: “سبحان الله! أيبعث اليك ابن بنت رسول الله ثم لا تأتيه. لو أتيته وسمعت كلامه!” تلك هي الكلمة التي كسرت أغلال القيود من داخل ثنايا قلبه ليلج ذلك الحب المحمدي نحو فطرته السليمة فانتقل بتلك الكلمات من أسر العبودية إلى العالم الأوسع المزدان بالخلود والحرية والإباء. بكلمات بسيطة فكت الزوجة زوجها من قيود العبودية!

ظلت المرأة تكسر قيود الذل وتسقي النفوس الحرة من معين غدير خالد لا ينبض، فكانت “أم عمرو بن جنادة الانصاري ذي الأحد عشر عاما” التي آلت إلا أن تسقي ابنها من ذلك المعين الخالد بعد أن استشهد والده مع الإمام الحسين عليه السلام. فأقبل الفتى يستأذن إمامه. ورأفةً بالقتى و بأمه رده الإمام إلا أن الفتى طمأن إمامه قائلا: “إن أمي أمرتني..” وحينما استشهد الفتى واصلت أمه طريقه مجاهدة وهي تقول:
إني عجوز في النسا ضعيفة خاوية بالية نحيفة
أضربكم بضربة عنيفة دون بني فاطمة الشريفة

“دون بني فاطمة الشريفة” وضوح الهدف هو عنوان تلك البطولات النسائية. فلم تكن تلك العواطف عواطف جوفاء، بل كانت غرسات خالدة متجذرة في قلوب نسوة آمَنَّ بالله فزادهن وقارا وعطاء وحكمة وبيانا. فكانت تلك االمرأة الأسدية التي أراد زوجها علي بن مظاهر إلحاقها ببني عمها بني أسد حتى لا تتعرض للسبى. فقامت من مكانها ضاربة رأسها بعمود وهي تقول: “والله ما انصفتني يا ابن مظاهر، أيسرك أن تسبى بنات رسول الله وأنا آمنه من السبي؟ أيسرك أن تسلب زينب إزارها وأنا استتر بإزاري؟.. لا كان ذلك أبدا. أنتم تواسون الرجال ونحن نواسي النساء”. فرجع علي بن مظاهر إلى الإمام الحسين فقال: سيدي أبت الأسدية إلا مواساتكم، فقال الحسين (عليه السلام) : “جزاكم الله خير الجزاء”.

تلك هي المعادلة التي استحالت على بعض العقول فهمها. إنها معادلة اليقين بالنصر الإلهي. إنها معادلة الانتصار المتمثل في انتصار القيم والمبادئ. انتصار القيم والمبادئ التي آمنت بها “أم وهب زوجة عبدالله الكلبي” ووجدت نفسها تواقة لرفع شأن تلك القيم، فقدمت روحها رخيصة بعد أن شجعت زوجها على اللحاق بالحسين عليه السلام. فما أن تقدم زوجها مجاهدا بين يدي إمامه حتى أخذت عمودا وذهبت مسرعة إلى ميدان المعركة لقتال الأعداء. إنها الشهادة التي شجعت زوجها لطلبها لكن ماذا عنها! حينما سمت روح زوجها إلى العلياء قالت له: “هنيئا لك الجنة، أسأل الله الذي رزقك الجنة أن يصحبني معك.” وسرعان ما استجاب الباري توسلها فكانت أول أمرأة تستشهد في واقعة كربلاء.

وتواصل المرأة دورها البطولي انطلاقا من إيمانها وقوة اعتقادها بأزلية القيم العليا. فمادونها فانٍ فاستحقرت القصور والأموال واستهانت بالمنصب والسلطان.. وقلوبهن تتلهف لمعانقة النبل والطهر والإبا. فمن عرف الإباء لا يجد له بديلا، ومن ذاق من نبع الطهر لا يرى له عديلا، ومن ارتقى أعلى درجات النبل يستحقر كل ما دونه. و تلك كانت قصة “زوجة يزيد” التي بكل فخر وإباء تقول لزينب: إني كنت خادمة عندكم – أي في بيت الإمام علي بن أبي طالب (ع). وحينما علمت بما جرى في كربلاء أخذت حجرا وضربت رأسها وركضت إلى مجلس يزيد حاسرة الرأس وهي تقول: “أخذتك الحمية علي؟ ولم لا أخذتك الحمية على بنات فاطمة الزهراء (ع). هتكت ستورهن وأبديت وجوههن وأنزلتهن في دار خربة..”.

تلك ثلة من النساء المؤمنات عرفن الحق فانصهرن فيه. لم يتربين في بيت النبوة و إنما زرعت قِيَمَ ذلك البيت الطاهر في ذواتهن فكانت صدى لفطرتهن النقية. إنهن ثلة من النساء المؤمنات اللواتي ارتقين بإيمانهن إلى درجات الشهداء والأحرار. إنها جمالية الأنثى التي عرفت الجمال في أنقى صوره وأبهج معانيه. إنها الأنثى التي تصنع التاريخ. إنها مريم وآسية وخديجة والزهراء وزينب، فسلام الله عليهن. بأبي أنتن وأمي طبتم وطابت الأرض التي فيها دفنتم وفزتم فوزا عظيما. وسلام الله عليكن يامن قدمتن أنفسكن ومهج قلوبكن من أجل نصرة ابن بنت رسول الله (ص)، وسلام الله على النبي محمد و على أهل بيته الطيبين الطاهرين و سلم تسليما كثيرا.

الاثنين، 10 أكتوبر 2016

صناعة التوحش

عادل البشراوي

ينبغي لنا معرفة أن الأصل في الطبيعة البشرية هو الطيبة والتسامح وحسن الخلق وكل تلك الصفات التي هي في الأصل مكون أساسي للفطرة البشرية.

وهي كذلك إلى أن يتم العبث بهذه الطبيعة البشرية فتقوم جهات لها أهداف شيطانية بتأجيج الفتن وتشويه الفطرة بحيل وأساليب شيطانية ليس أقلها تغييب القدوة الحسنة واستحداث أنماط غريبة ومتعثرة تفرضها هذه الجهات على أنها البديل الطبيعي لما يجب عليه أن تكون القدوة.

وفي الحديث عن الفتن فلنا في الأحداث الدموية التي وعيناها أكبر العبر. فقد عاصرنا أحداث لو تمعنا بها لوجدنا الكثير من الغرابة والبعد عن التلقائية البدهية.

وقد مثلت لي مجازر البلقان التي جرت منتصف تسعينيات القرن المنصرم أول محطة أعاصرها شخصيا حين بدأت التصفيات العرقية من قبل الصرب الأورثوذوكس على البوسنيين المسلمين.

وحقيقة كانت تلك المشاهد المرعبة تمثل لي مصدر إزعاج ونقمة ولكنها كانت أيضا مصدر تعجب وخصوصا عندما قرأت أنه قبل هذه الفترة كانت روح الألفة والتعايش هي السمة السائدة التي تحكم تعايش المكونات الإثنية للبلقان.

وكذلك وفي نفس الفترة جرت أحداث راوندا الشنيعة التي نقلت أحداثها صحيفة كريستيان ساينس مونيتور ووصفتها بأنها أسرع إبادة جماعية في العالم, فقد قام متمردو قبيلة الهوتو في عام 1994 مستخدمين المناجل والمطارق والسيوف بذبح قرابة الـ 800 ألف من التوتسي أي ما يقدر بـ 70% من سكان راوندا من قبيلة التوتسي. هذا الرقم وبكل المعايير لهو رقم يصعب حتى تصوره.

العجيب أن أهم المجازر حدثت بعد توجيه صاروخين أسقطا الطائرة الرئاسية التي كانت عائدة من محادثات تفاهم تم على إثرها وضع اتفاقية لوقف العنف. وقد قام بالتسبب في حادثة الإسقاط مترمردو الهوتو الذين لم تكن لهم رغبة في الصلح.
ولكن الحديث عن إرجاع أسباب العنف كله للمتمردين أمر لاينبغي تضليلنا به, فقد كانت هناك مشاريع كبرى تديرها شركات أمريكية متنفذة وكان هؤلاء المتمردين مجرد أدوات في أيديها.

وما أشبه اليوم بالأمس, فالحال وإن اختلف في المشهد العام لكنه يبدو في حيثياته مشابها للأحداث الدموية التي تجري اليوم في سوريا. فهذه المجازر الدامية التي يقوم بها التكفيريون لايمكن فهمها إلا ضمن هذا السياق الذي تحدثنا عنه.
فنسبة كبيرة ممن يتصدون لأعمال العنف في سوريا هم سوريون في الأصل, وقد كانوا قبل هذه الأحداث متعايشين مع من يقومون بذبحهم اليوم.
وكما في أحداث راوندا قبل أكثر من عشرين سنة نجد السيناريو ذاته اليوم في سوريا لجماعات لاتقبل بالصلح وتجهد دائما لإفساد أي تفاهم, إنما لايخفى علينا القوى التي تقف وراء هذه الجماعات وتدفعها للقيام بأعمال تسعى بها لإجهاض التفاهمات.

السؤال الأبرز في كل مانقول هو عن تلك القابلية العجيبة لدى بعض البشر والتي تسمح لهم بالإنقلاب على طبيعتهم المتعايشة والتحول إلى شبه وحوش؟
كيف تتم عملية غسل الأدمغة وإعادة برمجة العقول بحيث يستسيغ الجار نحر جاره؟

مهما تكن الإجابة فهذا واقع نراه ونعيشه وحري بنا دراسته والتصدي له بإعادة بناء مجتمعاتنا على أسس من الوعي وإرساء مفهوم المواطنة كأساس للتعايش والمشاركة ونبذ التصنيف الديني والعرقي بشكل تكون فيه هذه التصنيفات ضمن الخصوصيات الفردية ودون أن يكون لها تداخل مع الهوية الوطنية.


الخليج العربي أم الفارسي


عادل البشراوي


من مطالعاتي وجدت بأن الجدل الكبير والحرب الضروس بشأن تسمية الخليج هل هي الخليج العربي أم الفارسي ماهو إلا زوبعة بفنجان..

يتم الآن التركيز على إحياء هذا الجدل إثر قيام مايسمى بالـ "الربيع العربي" كمورد آخر يستدر به الكره والضغينة بين القوميات والطوائف.

فهذا الجرم الجغرافي المهم قامت على ضفتيه الغربية والشرقية المئات من التجمعات البشرية والحضارات والممالك منذ أن تكون قبل حوالي الثمانية آلاف سنة, وفي كل مرحلة زمنية وفترة حكم لمملكة أو قيام حضارة يستحدث اسم جديد لهذا الخليج. هكذا بحسب قوة هذا الكيان البشري وقدرته على تكريس وجوده وفرض بصمته.

أرى أن هذه الجعجعة هي ضرب من العبث وأجزم بأننا لن نرى طحينها في آخر المسار.

عندما أقرأ المسوغات التي تطرح من هنا وهناك حول أقدمية التسمية العربية أو الفارسية أتعجب!! وكأنه قد حلت جميع مشاكل دولنا الحدودية على الأرض لنبدأ الجدل في المسميات.

ولابأس في أن نتسائل هنا بأنه إن كان من حجية للأقدمية فأغلب الظن بأن كلتا التسميتين خاطئة, فقبل العرب والفرس كان هناك ممالك ومستعمرات كثيرة عاشت على ضفاف هذا الخليج المكلوم وكانت لهم تسمياتهم المختلفة.
وعلى سبيل المثال, ماذا لوتم لنا العثور على مخطوط ما قبل أربعة آلاف سنة يتضمن تسمية مغايرة للخليج فهل يجب علينا الآن اعتمادها, وهل سوف نراجع اعتمادنا لها لو ظهر مخطوط آخر قبل ستة آلاف سنة يتحدث عن مسمى مختلف؟.

حقيقة لاتهمني التسمية سواء كانت الخليج العربي أم الفارسي أم خليج البصرة أم حتى خليج القطيف كما هو مذكور في بعض الخرائط القديمة, المهم هو أن نسلم بأن لهذا الخليج اسم له توثيق عالمي متعارف عليه وتتداوله جميع الهيئات العالمية, ألا وهو الخليج الفارسي..


عيش مكشمش الحسينية

د .عبدالهادي الصالح



هل أوصل لك جدر عيش مكشمش لحم من الحسينية يوم العاشر من محرم؟ رحب القيادي الكبير في البلاد، لكنه اشترط ان يكون طبخ حريم! قلت له طويل العمر عهد الحريم ولى! الآن طبخ الرجاجيل!
وآخر رحب كذلك، وأخبرني بأنه تأتيهم عيوش كثيرة من الحسينيات، ويتذوقونها بشراهة جميعا في المزرعة!
في اليوم التالي نزل خبر بالجريدة: «الوزير الصالح يوزع «جدور» الحسينية على الوزراء»!
كثير من الناس ينتظرون بفارغ الصبر من معارفهم ان تصل اليهم البركة (غداء يوم عاشوراء). بل بعضهم يشارك بنفسه في الطبخ والتوزيع، بلا اي تحفظ ديني او طائفي.
لكن هناك قلة يمتنعون عن تناول عيوش الحسينيات، ظنا منهم أن الخراف ذبحت بغير ذكر الله، بل بذكر اسم الحسين عليه السلام.
او أنها نذر للإمام وليس نذرا لله تعالى.
وهذا للأسف محض افتراء، وكذب بواح.
ففي فقه أهل البيت عليهم السلام لا يصح الذبح إلا باسم الله (بسم الله والله اكبر) وفي اتجاه الكعبة المشرفة، وأن يكون الذابح مسلما.. الخ.
كما لا يجوز النذر الصحيح إلا لله تعالى (لله علي أن أفعل كذا). ومن يسمي بغير الله فذبيحته ميتة يحرم أكلها بتاتا بلا جدال!
نقطة أخرى، عيش مكشمش لحم الحسينية يتميز بنكهة زكية عجيبة، لا تتوافر في اي مكان آخر.
ومن يشك عليه أن يجرب يوم العاشر!
(المكشمش من الكشمش وهو الزبيب وهو مكون رئيسي من الحشو من النخي والبصل يعلو الرز وهو العيش بالكويتي، يعلوه اللحم الطازج الشهي).

( التوهج الذاتي في نهضة الإمام الحسين -ع-).



د /منصور القطري

تذكر الرواية الرسمية للتاريخ مقولة (البحرمن ورائكم والعدو من أمامكم )  في معرض حديثها عن المعركة التي خاضها القائد طارق بن زياد حين فتح الأندلس، حيث قام بحرق السفن فوضع الجيش أمام خيارين: إما مواجهة العدو أو الموت غرقاً في البحر عند التراجع أو الهروب.
غير أن هناك موقفاً مختلفاً تماماً، تمثل في مقولة الإمام الحسين (ع) عندما قال لأصحابه: (هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً ) والتي تجسد نمطاً من القيادة ليس له شبيه، ولا يعرفه للأسف، الجيل المسلم المعاصر. موقفان تاريخيان بحاجة إلى تأمل.
الإمام الحسين (ع) يوم العاشر من محرم يخاطب أصحابه ويدعوهم إلى حرية الاختيار، ليرفع عنهم الحرج ويرخص لهم أن يتركوه. ولمزيد من رفع الحرج خيّرهم أن يغادروا أرض المعركة في الليل حتى لا يخجل من يريد أن يتراجع، حيث قال: “هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً وسترا”. لكن ماذا كان موقف أصحابه؟
لقد حظي الحسين بأنصار لم يحظ بهم قائدٌ في التاريخ على الإطلاق. لقد تُرك النبي (ص) في معركة أحد وقد أصيب بعدة جراحات وليس معه إلا ثلة قليلة من أصحابه البررة، وبعض أصحاب موسى (ع) عبدوا العجل وخذلوا نبيهم، في حين لم يسجل التاريخ أن أحداً قد هرب في معركة كربلاء.
لقد سطر الإمام سبط الرسول (ص) أعظم ملحمة في تاريخ البشرية ينحني لها جميع العظماء والأحرار في العالم خشوعاًً واحتراماً. فمنذ الخطوات الأولى للتحرك وحتى الساعة الأخيرة، سلك الإمام سبيل النزاهة في عملية التجنيد وإقصاء من ليس لديه الدافعية الذاتية للتضحية؛ لحرصه الشديد على إظهار جبهة الثوار بمظهرها اللائق عبر التاريخ.
لقد أخبر أصحابه أنهم يُقتلون وتكون أجسادهم طعمةً للسيوف ونهباً للأسنة ومرمى للسهام، بل ومن باب اللطف الحسيني كان ينصح كل من كان قريباً من أرض كربلاء، ولم يلتحق بركب العترة الطاهرة بقوله: ( إن استطعت أن لا تسمع صراخنا ولا تشهد واقعتنا فافعل فوا الله لا يسمع واعيتنا أحد ولا ينصرنا إلا كان حقاً على الله عز وجل أن يكبه على منخريه في النار ).
لقد سجل أصحاب الحسين (ع) أروع الأمثلة، بما لم يفعله أي جيش مهما عرف بالإخلاص، فلكل صحابي منهم قصة في وصوله وتسلله إلى ربى الطف؛ فقد كان الجيش الأموي يحاصر كربلاء، وجواسيسه يراقبون ويمنعون تحركات وصول الأنصار. لكن الأمر كان واضحاً، فكل من التحق بمعسكر الحسين كان تحركه بمحض إرادته، وهو يسعى إلى نيل الشهادة من تلقاء نفسه. فمن المعلوم تاريخياً أن مسلم بن عوسجة وهو زعيم قبيلته، وحبيب بن مظاهر الأسدي، اختفيا أثناء المداهمات بعد استشهاد مسلم بن عقيل مباشرةً حتى يظهروا فجأةً للالتحاق بركب الإمام في كربلاء. ومعلوم أيضاً أن هناك من الأنصار من منعه عن نصرة الإمام مانع جسدي، فقصة الكفيف عبدالله بن عفيف الأزدي قصة عظيمه ودرسٌ للأجيال، فبعد استشهاد الإمام مباشرةً صعد ابن زياد منبر مسجد الكوفة وقال: “الحمد الذي قتل الكذاب ابن الكذاب” (يقصد الحسين بن علي)، فما زاد على هذا الكلام شيئاً. فقام له عبدالله بن عفيف وكان من الزهاد وقد فقد عينه اليسرى يوم الجمل والأخرى يوم صفين، وردً عليه: “إن الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك ومن استعملك وأبوه، تقتلون الذرية الطاهرة التي أذهب الله عنهم الرجس وتزعم أنك على دين الإسلام؟”. فقامت الشرطة ليأخذوه فقامت الأشراف من الأزد (وهم بنو عمومته) فخلصوه من أيدي الجلاوزة. فذهبوا بعد ذلك إلى منزله واقتحموه فصاحت ابنته: أتاك القوم من حيث تحذر، فقال لها ناوليني سيفي؛ فجعل يذب عن نفسه وابنته تقول له: ليتني كنت رجلاً أذب بين يديك هؤلاء الفجرة قاتلي العترة البررة. ثم تقول له ابنته: أتاك القوم من جهة كذا وهو يدور بسيفه، ويقول: “أقسم لو يفتح لي عن بصري ضاق عليكم موردي ومصدري”، حتى تمكن الشرطة منه فضربت عنقه وصلب في السبخة بالكوفة عليه رضوان الله. وهو ما يذكرنا بإعجاب معاوية من وفاء أصحاب الإمام علي (ع) بعد شهادته رغم الترغيب والترهيب الذي مارسه ضدهم حين قال: ( لوفاؤكم  له بعد مماته أعجب من طاعتكم له في حياته ) .
ومن أهم ما تميّز به صحابة الحسين، أنهم كانوا على بصيرة تامة من أمرهم، وعلى درجة عالية من التفقه والمعرفة والعلم. وقد نقل أرباب المقاتل قول قائد الجيش الأموي مخاطباً جنوده: أتدرون من تقاتلون؟ تقاتلون فرسان المصر وأهل البصائر. و”فرسان المصر” مرتبط بظاهرة اجتماعية في تلك الفترة، وهي الفروسية والقدرة القتالية العالية التي لها صلة بالمكانة الاجتماعية المرموقة.
مشهد ليلة العاشر يعكس انسجام صفتين في مسلكيات الأصحاب (البصيرة والعشق). ذلك العشق والتعلق بالقائد وأهداف الرسالة السامية التي يحاربون من أجلها إلى درجة عدم الشعور بالألم أثناء القتال. والدليل على هذا العشق أنه لم تمر ليلة على صحابة الإمام أسعد من تلك الليلة، حتى أن الطلاقة والطمأنينة كانت باديةً على وجوههم المشرقة، يمازحون بعضهم بعضاً، استبشاراً واستخفافاً بالموت. فقد أخذ بُرير بن خضير الهمداني يضاحك عبدالرحمن بن عبد ربه الأنصاري فقال له: دعنا فوالله ما هذه بساعة باطل؟ فقال له برير: والله لقد علم قومي أني ما أحببت الباطل شاباً ولا كهلاً، ولكنني مستبشر بما نحن لاقون. وأقبل حبيب بن مظاهر الأسدي على يزيد بن الحصين الهمداني ضاحكاً، فقال له: ما هذه ساعة ضحك! فقال له حبيب: فأي موضع أحق من هذا السرور؟ والله ما هو إلا أن يميل علينا هؤلاء الطغام بسيوفهم فنعانق الحور العين.
أما نافع بن هلال البجلي فقد قضى شطر ليله في كتابة اسمه على سهام نبله إمعاناً في طلب المثوبة والأجر، وإمعاناً في السخرية من الخطر. وبرز عابس بن شبيب الشاكري (وكان أشجع الناس) وقد نزع درعه، فقيل له: أجننت يا عابس؟ قال: حب الحسين أجنّني. وجاء النداء من معسكر الأعداء هذا أسد الأسود، هذا ابن أبي شبيب. لا يخرجن إليه أحد منكم. وقال أحدهم لزعيم من جيش بني أمية: ويحك أقتلتم ذرية رسول الله (ص)؟ قال: لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا. لقد ثارت علينا عصابة أيديها في مقابض سيوفها كالأسود الضارية تلقي أنفسها على الموت لا تقبل الأمان ولا ترغب في المال ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنية، فلو كففنا عنها رويداً لأتت على العسكر بحذافيره.
- [ ] ولعل أروع وصف يجسد حقيقة ولاء وانتماء الأصحاب وتوهجهم الذاتي في محبة قائدهم، ما قاله الإمام الحسين في محاورته مع أخته زينب (ع) عندما سألته: هل استعلمت من أصحابك نياتهم فإني أخشى أن يسلموك عند الوثبة واصطكاك الأسنة! فأجاب الحسين: ( والله لقد لهزتهم وبلوتهم، فيما فيهم إلا الأقعس الأشوس... يستأنسون بالمنية دوني استيناس الطفل إلى محالب أمه ).

و سيبقى الحب المعتق

بنت القطيف 
غالية محروس المحروس

أتعجب أيها القراء لجرأتي وأنا أقول لي رجل كالملاك, أيحق لي أن أكتب عن زوجي إنه باختصار قطعة ذهبية نادرة, ها أنت يا زوجي تكبر ويكبر حبك في قلبي, أنت جنة بحق السماء هنيئا لي بك, وجودك معي يلفني الشعور بالأمان والراحة واعتبر وجودك إنجاز, في كل دقيقة أكتشف في زوجي حقيقة جميلة تبهرني حد الدهشة.


سلام على من يقرئوني, قرأت لماركيز مرة إنه يكتب ليحبه أصدقاؤه أكثر وهكذا أحاول أن أكتب ليحبني القراء أكثر, تركت كل شيء دون أن أفكر طويلا, حيث أويت إلى مكتبتي وحدي كعادتي توسدت ذاكرة هواي وغفوت مع ذكرى حبنا,
وكتبت هذه المقالة وقد تثير جدلا في الشارع الثقافي بل الاجتماعي هنا, وربما تثير حفيظتك أيضا, أخاطب نفسي وأنا الخجول وأكتم حبي في قهوتي دون سكر, ولساني يهتف إني احبك يا زوجي العزيز, لن أورطك أيها القارئ في هذا الزخم من المشاعر بقدر ما أنا في حالة من العشق و الصدق الذي يتملكني دائما, لم يكن هناك شيئا لافتا للاهتمام حب امرأة لزوجها, ولم يكن ذلك الحب يعني شيئا لو لم يعرف الغير فيما بعد, إنه بداية لزمن صنعته امرأة أخشى أن يكون مجرد أسطورة ولكنه حقيقة.

كنت أبحث وسط دفاتري القديمة عندما وجدت صورتي مع زوجي لأرجع بذكرياتي إلى زمن طويل وفي لحظة سألت نفسي هل أنا سعيدة مع زوجي فأنا اغبط نفسي على إنسانيته حقا إنه إنسان لا مثيل له, فعلاقتي مع زوجي تشبه إلى حد ما, هذا الشيء الذي يكبر معنا , دون أن ننتبه إليه إلا حين يفرض نفسه بشكل ملموس, لكن ما أتذكره إنني منذ معرفتي به في حدود تجربتي الخاصة انتبهت إلى إن عشق يجذبني له, ليس باعتباره زوجا فقط ولكنه عشق خاص واستثنائي شيئا قد تحول إلى مسؤولية, واعتبر إن من بين مظاهر الأناقة الإنسانية هو التعامل مع زوجي بشيء من الرقي في المسؤولية قد يمنحني السعادة بشرط صدقي وهذا أجمل انتماء لي مع من أحب وهنا أعيش وضعا أتجدد كل لحظة فيه.

قررت أن يكون الخيال والجمال هنا لأدخل في تجربة التأمل بمعناه الواسع, شعرت بضرورة التمكن من ذلك فهي لغة الصدق,أريد أن أحرر خيالي وأفسح المجال لعواطفي بصياغة مقالات رمزية خيالية تليق بمن يقرأني,ولن يقلل من قدراتي على العطاء التعبيري في المجال الذي أحبه.

منذ إن حملت قلمي مقلوبا وأنا أتمرد فالتمرد إحدى صفاتي, أكتب بصدق دون مساحيق,أقول ذلك بشموخ المرأة القطيفية وعلو همتها, وجدت نفسي غير مضطرة لإبداء رأي حيث إنني حرة نفسي ومواقفي دون جرح غيري فمشاعر الغير تهمني بشدة, لن أخفي سرا هنا فعندما أكتب في إحدى لحظات بوحي وصدقي بل حبي أحتاج الكثير من أسرار الحياة وتحري الصدق فيما أكتب بلغة مهذبة.

أذكر لحظات البوح والصفاء التي تدفعني للتحليق عاليا في سماء الفرح الأبيض, وفي لحظة حاسمة قررت أن أضع حدا لما أنا فيه, كان ذلك المساء مبهم المعالم وإن كانت السكينة تفشي نفسي, ها أنا أكتب لك من بعثرة حروفي لتشعرها, أما آن الأوان أن أتجرأ بألوان الطيف لأعلن بأنك يا زوجي العزيز صورة من جمال الكون كله, ولن يكون لهذا البوح معنى إلا في وجودك أنت, ماعساي أن أقول والحب موهبة وما كلماتي المتناثرة إلا تعبيرا عن حاجة في نفسي, ومن الحب تولد الحياة, دعوني أتوغل في شعاب الوله الجائز.

أتعجب أيها القراء لجرأتي وأنا أقول لي رجل كالملاك, أيحق لي أن أكتب عن زوجي إنه باختصار قطعة ذهبية نادرة, ها أنت يا زوجي تكبر ويكبر حبك في قلبي, أنت جنة بحق السماء هنيئا لي بك, وجودك معي يلفني الشعور بالأمان والراحة واعتبر وجودك إنجاز, في كل دقيقة أكتشف في زوجي حقيقة جميلة تبهرني حد الدهشة.


جميلا أن يكون لي زوجا أغلى عندي من الكون كله, هناك لحظات صادقة تأسر قلبي, قد نعيد تشكيل بعض ظلالنا ونرش عليها من ملح الحياة,حيث نشعر بلذة الأيام تماما كما نستمتع بقهوة الصباح, وأكتب ذلك بصدق الواقع نفسه بل بصدق هذا البياض وبلا مواربة شدني عمقك الإنساني,حيث أجدك إلى جانبي في كل المحن فكنت خير زوج وفي وأب مثالي لم تجرح أحدا, قد افتح الجريدة اليومية سطورا طالعتها أنت وأكمل رشفة فنجان قهوة لم تكمله بعد.

فليعذرني القارئ بهذا الزخم الهائل من الأحاسيس والمشاعر كعربات القطار تتدافع وتتجاذب دون توقف, فإذا بلغت الدهشة صحت بأعلى صوتي الله أكبر الله أكبر, أخجلتني سيدي بكرمك ولن تجدني بخيلة معك كما عهدتني, دعني يا عزيزي أتجول بمفردي بين جنتك لأرتقي القمم حد السماء, وأغتسل بطهارة قلبك واكتحل بذكرى عشرتك معي, كان يكفيني وجودك لأنسى كل فضاء ولن أترك نفسي بعيدة عنك, أنا إنسانة لي طقوسي وإحساسي هل هو حرام أن أحب زوجي, أقولها بكل اللغات وعبر كل الأطوار وأهمس من غير سمع, كل يوم وأنت النفس التي سميتها نفسي وأنت حبيبي, أنت ملاك يتقمصني في كل شيء حيث علمتني كيف تسكن النفس بلا وطن,وكيف أستمتع وأنا أراك أمامي حيث لونت حياتي فا أزهرتني بين راحتيك أقمارا من الجمال والسعادة, وعلمتني أيضا كيف أبدأ اليوم معك وكيف أنتهي اليوم ذاته بك, لقد جعلت من خواء الروح فرحا حقيقيا.

آه يا سيدي لو تعلم أرغب أن اركع أمام قدميك وأصنع لك من قلبي طهارة على طهارتك, ما زلت أتأرجح على حبك كطفل وكأني أمارس حبي في محراب الطهر, لا اعرف من أين أبدأ ولا كيف أشكر وجودك في فضاء حياتي,لقد تشكلت في المجاز وأنا في غاية الانبهار من قمة حبي لك, ولا شك إنك من علمتني كيف أحب.

أمارس هنا لغة تتكئ على صدق كلماتي وحروفي النابضة التي تقول الهمس بأني سعيدة لأجعل كلماتي المتوهجة صدقا تجاه من أحب, وسعيدة بأن هذا قد يستوقفك وتضع بعضا من عطرك هنا بقربي, ولن أبالغ عندما أقول ربما النجوم تضيء إلا لكونها تعيش حبا, غريب هذا التخاطر,أود أن أسجل كل هذه التفاصيل وبهذه الدهشة والتي تقبض على اللحظات وتنقلني من أمكنتي لأعيشها بصدق.

البارحة مرت الذكريات بخاطري وعبر الفرح قلبي وستغيب البارحة ويحل الصباح برعشته الوجلة , لا زال ليلك يوقظ في زماني نجومه, فلدي نوع من التوق القدسي يكتنفني ويبعثر كل هامات صدقي, هذا أنا أكسر كل ما أهابه ويا خجلي عندما أهبك أنوثة كلماتي ودلال عباراتي,وأنت أغلى من الكلمات وأغنى من العبارات.

تلك لحظة آسرة أفتح كل نوافذ قلبي وأرسم دائرة بحبي لك وأعلنه للوجود,وأجلس في ركننا المخملي وافتح نافذة الذاكرة حيث التقينا لأول مرة , أعيش لحظات سعادتي وأنا أكتب هذه العواطف, أي إنسان ذاك الذي كنت تحمله في قلبك الطاهر!
شيء خفي يوجهني هذا المساء نحو نفسي وهناك قوة تجذبني للخلوة مع ذاتي لقد شعرت بالأمان من مطاردات الفضوليين طول الوقت لعلني أصب كل خواطري هنا بهدوء.

أشعر وأنا ارتشف قهوتي بأن بصمتك في قاع الفنجان وكأن الحظ والسعادة يبتسمان لي, مثلك لا يعرف إلا الحب حتى يجعلنا ندرك إن الزواج مقدس, نعم يا زوجي العزيز فمثلك لا يعرف الكره والحقد, ومن خلالك سيبقى حبي معتقا ولن يموت.
ما أجمل أن يستفيق المرء في يوم من الأيام على حقيقة إنه لا يزال يعيش مع من أحبه قلبه بسعادة, وأنا أنتظر قدومك على أهداب الليل,وقد ارتديت العطر حلة حمراء, آآآه دهشة هي أيامي معك تمنيت أن ينام كل شيء إلا أنا وأنت لنسكن الفرح والسكون معا, وكثيرا ما نلجأ إلى الليل لنخفي تحت ظلاله ملامح حقيقتنا, لقد ذكرتني بالقهوة السوداء كشعرك المتموج.
أدرك إن بيتنا صغير وجميل بنيته لي بالقلب لا بالحجر, وكان ذلك الركن الهادئ يملؤني بالحب والحنين, ويزداد مع قدوم المساء حيث ينبعث في ذاك الركن عطر سماوي, وتنقلني تلك الأحاسيس إلى دنيا من الجمال والوفاء بل العطاء وأي عطاء ألمح من خلال عينيك ؟
أعترف إن الأرق أحبني من أجلك وهناك شموخ أشعر به كلما وجدتك أمامي ووجدت هذا الخشوع الرهيب في عيون من يدرك صدق إحساسي, وهذا لعمري لأمر أشعر بهذه العلاقة الروحية التي تربطني بك, فما أكثر اللحظات التي تصطاد فيها سعادتي معك, فيصطادني حبك ليعانق العمق الإنساني حيث المس الحب الصادق بين الأزواج وقد أصابه الهرم, فأصبح مسجونا في بيت بلا مفتاح ولا نوافذ فالكل يريد أن يصبح هو بلا حب وبتلقائية أحيانا, وهذا أمر لا يخفي على احد, ولكن العلاقة الزوجية دائما بين الزوجين حتما ودائما حبا وفي الحب هناك شريك, وإلا ليس هناك حب يعني دون حياة ولكن هل هناك حقا من يسكر من هذا المعين الخالد؟! لا أظن, أحاول هنا أن أؤسس عالما من الحب بين العالم وأخاف عليه من القرصنة, وهكذا أكتب مقالي هذا دون تردد دون خوف أو خجل من واقع يعرف بالضبط ماهية الحب الطاهر دون مساحيق غير آبهة بالمعايير التي تصفق لهذا أو ذاك.

وأنت تنتهي من قراءة مقالي ربما تشعر بأن هذا المقال اكتسح كل مقالاتي تقريبا, نظرا لجرأته رغم إني لم أستطيع أن أبوح كما ينبغي, وكأني قد سكبت روحي في هذا المقال انسكابا آسرا, فهنيئا لزوجي بهذه المشاعر التي تعانق كل الحنين والحب الذي أوزعه في شرايينه, فليعذرني القارئ إن لم يروقه مقالي حيث قد أحببت أن يكون مقالي خاص بزوجي, وإن كنت تعبث بمشاعري أو تستخف بصدق إحساسي, فأقول لك إني هنا قد أيقظت مهاراتي كلها من أجل زوجي,وهنا دعوة صادقة لزراعة بذور الحب وإنعاش العواطف والأحاسيس بأروع صورها, حيث إن هذا المقال الأدبي الجريء أو ما يبدو لي, أترك حافة قلبي وعقلي لأعود وأمل بالمزيد من الحكايا والخفايا, معذرة سأسكت عن الكلام المباح إلا إنه الحب يفعل ما يريد.



في محراب والدي


حسين علي المصطفى


أربعين يوما على وفاته رحمه الله

اعذروني أحبتي …

إنّ مصابي في والدي أبلغُ من حروفِ الخنساءِ وكلماتِها.

إنني في هذا الموقفِ غير متاح لي الكلام المجلل، ولا الألفاظ الصاخبة، كذلك يريد والدي.

سأفزع إذن إلى الهمس فإنّه حديث القلب.

لقد سلخت ساعات عديدة في نضال مع الحروف والكلمات.

ما عساي أن أكتب وكل الصفحات مطويات في قلبي، ولا يملك قرارها إلاّ والدي (رفيق أيامي الخاوية).

آه، آه …

هل أضع أمامك كأس حياة مطمئنة، لتهفو روحك تواقة إلى لمس طرف مداك المظلم. أم أنّ زفراتك تتناهى لتهمس في قلبك الواهي، وكأنّك عصفور طليق في قفص حريتك! إنّه يجيبك بحب: تعال إلى حديقتي لتقطف زهراً…

فمتى ستبدأ رحلتك، ويداك فارغتان، وقلبك مفعم بالانتظار…

أيها القلب الجشع، هل تود أن أقطف لك الكون من الفضاء.. فإلى متى تستجدي؟!

وبعد…

أحاول أن أسكب عصارة فصولي الأربعة على تربة موتي، حيث تتلاشى حواجزك في هذه اللحظات، ويتراءى لي في نور الموت عالمك الندي…

فطالما صافحتَ وجهي كمن يصافح النور عيني، ويحمل النسيم في جذل عذبات ترانيمك.

آه، آه، …

لقد أوقظني خفق خطاه، وقلبي سجن يبكي من أُحبسه بين جدرانه…

ولم أعِ بعد اللحظة التي جاوزت فيها وصيد الحياة.

ولكن عندما يحين الموت فإن المجهول ينحسر وعندئذ يحين الموت وما رأيتُه لا يمكن إدراكه والوصول إليه.

لقد أذن لي بالرحيل، فتمنوا لي يا أبنائي سفراً سعيداً، ها هي مفاتيح بابي، أعيدها إليكم، ولكن زودوني عند الرحيل بكلمات حلوة، فإن "ميراث الله من عبده المؤمن ولد صالح يستغفر له".


قم  ـ 15 / 11 / 1418 هـ

التدريب على تحمل المسؤولية‏social_responsibility

د/ منصور القطري


للأسد في اللغة العربية عديد من الأسماء والصفات، التي نجدها في شعرهم أولاً ثم في المصادر التاريخية والأدبية العديدة بعد ذلك، ومنها على سبيل المثال ما جاء في قول ابن خالويه: إن للأسد 500 اسم وصفة. وقد اعتادت العرب أن تسمي أبناءها تفاؤلاً بما ترجو أن يكونوا عليه من السمات حيناً، أو بما تظن أنه يخيف الأعداء حيناً آخر؛ لذا نجد أن أسماء بعض الأبناء جاءت على هذه الشاكلة: ليث – أسد – ضرغام – أسامة – حيدرة – وهلم جرا.
في هذا السياق، رُوي أن رجلاً كان له ولد اسمه ضرغام يصحبه إلى الغابة ويدربه على صيد الحيوانات والطيور حتى صار شاباً قادراً على العمل، فنصحه أبوه أن يعتمد على نفسه ويخرج للصيد وحده. خرج الشاب حاملاً زاده ذاهباً إلى الغابة، وفي طريقه رأى ثعلباً هرماً جائعاً، وبينما هو يحدث نفسه متسائلاً: كيف يحصل هذا الثعلب الهرم على قوته؟ أحس (ضرغام) بحركة غريبة؛ فاختبأ خلف شجرة فإذ بأسدٍ يجر فريسة أكل منها حتى شبع، ولما انصرف الأسد زحف الثعلب ليأكل مما خلفه الأسد من الفريسة.
عجب الشاب مما رأى وقال في نفسه: لقد أصاب الثعلب رزقاً بلا كد ولا تعب. فلماذا أبتعد عن أهلي وأتحمل متاعب السفر ومشقة العمل في طلب الرزق؟ عاد الشاب إلى أبيه وقص عليه ما رأى ليبرر أسباب عودته. فقال له أبوه معاتباً: أريدك يا بني أن تكون أسداً تأكل من فضلاتك الثعالب، لا ثعلباً تأكل من فضلات الأسود. وتذكر يا بني أن العرب تقول: «لكل امرئ من اسمه نصيب». فهم الشاب مقصد أبيه؛ فخجل من نفسه وعاد من جديد ليعمل ويكد ويحصل على رزقه معتمداً على نفسه.
تذكرنا هذه القصة بقول روي أليكساندر في تعريفه لمفهوم تدريب الناس في مؤسسات العمل على تحمل المسؤولية أنه: منح السلطة للآخرين للقيام بمهام محددة تحت إشرافك. ولعلها رسالة إدارية تربوية نسوقها للآباء لتدريب أبنائهم على تحمل المسؤولية، ليس عبر النصائح والخطب الرنانة، بل بالتطبيق العملي حيث يقوم الأبناء بالتنفيذ ويقوم الآباء بالإشراف والمتابعة.
في كتابهما الرائع (القيادة تحدٍ) يقول جمس كوزس وباري بوستر: إن موقف الموظف هنا يقول: كنت أعرف أنني سأتمكن من عمل ذلك، فيما تقول توقعات الرئيس: كنت أعلم أن بإمكانك عمل ذلك.
هكذا تبنى الثقة بين الوالدين والأبناء على تكليف واضح ودقيق ومحدد للمسؤوليات، ثم يتم بعد ذلك التدرج في تحمل المسؤولية شيئاً فشيئاً حسب قدرات الأبناء. ومما يلاحظ غالباً أن التوجيهات تكون عامة؛ مما يوجِد نوعاً من سوء الفهم بين الأطراف. ومثال ذلك أنه عندما يقول الأب للابن: لا تتأخر في العودة للمنزل! فإن هذه توجيهات مبهمة وغير محددة. فما هي الساعة التي يعتبرها الأب تأخيراً؟ وعندما يعود الابن في وقت يراه الأب متأخراً بينما يراه الابن غير متأخر ينشأ الخلاف. لماذا؟ لأن التعليمات كانت غير واضحة وغير محددة.
وأود أن أقف هنا مرةً أخرى مع كتاب (القيادة تحدٍ)؛ لأنه وثيق الصلة بموضوع (تحمل المسؤولية) وهي الخطوة الأولى لصناعة قادة جدد من جيل الأبناء (جيل الشباب) الذين يمثلون -في تقديري- الرصيد الاستراتيجي للمجتمع. فقد كان هدف المؤلفين (كوزس وبوستر) من نشر كتابهما معالجة قضايا اكتشفاها أثناء بحث أجرياه على أناس عاديين حققوا «مستويات قيادية ممتازة». علماً بأن البحث شمل ثلاثة آلاف قيادي في مجالات متعددة ومن مستويات مختلفة، وفي ظني أن مبادئ الكتاب مفيدة على مستوى الأسرة والمجتمع I am sure you’ve heard a lot of stories about winners which weren’t as lucky when dealing with their lottery, casino earnings, or even from scratchcards, and so on. ومؤسسات العمل أيضاً. وقد حدد المؤلفان نتائج مهمة لهذا البحث تشمل عناصر أساسية للقيادة هي: القدوة والريادة والإلهام وإقناع الآخرين وبناء رؤية مشتركة وتمكين الغير من الفعل وتشجيع الجرأة والإقدام.
أتساءل هنا: من منا لا يطمح أن يرى أبناءه يشار لهم بالصلاح والنجاح؟ لذا فإنني أنصح الآباء بفتح قنوات حوار إيجابي ومرن وبشكل هادئ مع الأبناء؛ فالحوار لغة القرآن ومنهج العصر. يقول كوزس: «الذي اكتشفناه، وأعدنا اكتشافه هو أن القيادة ليست ملكاً خاصاً لعدد قليل من الرجال والنساء ذوي الشخصيات الكاريزمية»، ويضيف بوستر: «يقوم الناس بإنجازات مذهلة من خلال إطلاق القائد داخل كل منهم».
وعلى صلة بحديثنا حول تحمل المسؤولية نورد ما أشارت إليه دراسة مقارنة معاصرة بين المجتمعين التركي والأمريكي، وهو أن الدافع للإنجاز لدى الأمريكان أعلى منه لدى الأتراك. وكشفت الدراسة عن السبب الذي يقف وراء ذلك السلوك وهو العلاقة الإيجابية بين المسؤوليات التي يتحملها الطفل في البيت وبين الدافعية للإنجاز. فكلما زادت واجبات الابن نحو البيت ارتفع مستوى دافع الإنجاز عنده؛ وبذلك يمكن القول إن دفع الطفل إلى الاعتماد على نفسه وتكليفه بأداء مهامه والتأكيد على استقلاله في وقت مبكر من حياته يؤدي إلى ثقته بنفسه. يقول الإمام علي: (إنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته).
نخلص مما سبق إلى أن الأب إذا كان حصيفاً وراغباً في تدريب أبنائه على تحمل المسؤولية فعليه القيام بأمرين:
أولاً: أن يقوم بتدريب الأبناء بالتدريج على تحمل المسؤولية وأن يمنحهم هامشاً من الحرية للتطبيق، ثم يتابع صقل قدراتهم ومهاراتهم شريطة ألا يغفل عن تطبيق مبدأ مهم هو (تقبل الأخطاء الناجمة عن التجريب).
ثانياً: منح الثقة مع التقدير والثناء على الإنجاز. تماهياً مع توجيهات علماء الأخلاق (شكر المنعم واجب عقلاً) أو كما في المأثور (قل للمحسن أحسنت). ويؤكد د. غازي القصيبي في كتابه (حياة في الإدارة) أن منح الثقة سر عظيم! وفي ذلك يقول: افتح المجال أمام الآخرين وسوف يذهلك ما تراه من منجزاتهم.
نشير ختاماً إلى أنه إذا كان أحد الأبوين مهزوم الشخصية فاقداً للثقة في نفسه وفي قدراته ومعلوماته؛ فإنه لا يمكن أن يثق في الآخرين، والأمر في غاية البساطة ففاقد الشيء لا يعطيه. وقد استنتج الباحثان (كوزس وبوستر) من دراستهما الثرية التي تحدثنا عنها هذا الأمر وعبرا عنه بقولهما: إن الزعماء لا يسيطرون بل يمكنون الآخرين من التصرف. وأرغب تذكير الآباء بأنه إذا دربت بنيك على فن الصيد فلا تنسَ أن يكونوا أسوداً.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق السعودية

الأحد، 9 أكتوبر 2016

محرم بين الواقع والمأمول

* عبدالله اليوسف أبو حيدر .

☆إن قضية عاشوراء تفرض نفسها على الإنسان في كل عام ، وكثير من الناس يدخلون في هذا الشهر بلا استعداد للاستفادة منه فيحرمون من عطائه فالمحروم هو الذي لايخشع قلبه وأحد صور الحرمان في هذا الشهر عدم حضور القلب وخشوعه بالعبرة على الإمام الحسين (ع) وعدم التزود والاستفادة من العبر والحكم في هذه الثورة المباركة حيث أن للإمام الحسين (ع) خاصية ذاتية في شخصه تجذب كل روح نحو البذل والعطاء وتتميز واقعة كربلاء بخصائص :
* شخصية المضحي .
* هدف التضحية .
* طبيعة التضحية .
* حجم التضحية .
* نتائج التضحية .
فاستحضار هذه الخصائص في وعي الإنسان الحسيني لها أثر بالغ في حسن الاستفادة من هذه العشرة الباركة ولهذا ينبغي أن يكون الاستعداد لهذا الشهر العظيم ( شهر محرم ) قبل بزوغ هلاله .
☆ أهم العوامل لنجاح المجلس الحسيني :
١- إعداد أصحاب المجلس :
● تحديد الخطيب حيث هو المحور الأساس الذي يحيي هذه المناسبة مما يتطلب حسن اختيار الخطيب الذي يناسب هذا المكان والشريحة الحاضرة .
● تجهيز المكان بوسائل ( أجهزة الاتصال من الصوت والإضاءة وشاشات العرض وما يتعلق بها ).
● تحديد مساحة المأتم .
● تحديد الوقت اللا زم لقراءة المأتم .
بما أن العام الماضي كان مليئا بالأحداث الأمنية والتي كان لها الأثر السلبي على بعض المجالس من حيث قلة الإعدادات وحرمان المرأة من المشاركة في مثل هذه الشعائر وكذلك الطفل الذي حرم من المسابقات وعروض التمثيل في المخيمات الحسينية لذلك ينبغي علينا في هذا العام حسن الإعداد وتوفير البديل المناسب .
● تجهيز وجبة البركة وذلك إما أن تقدم بالصواني او بأطباق السفري وهذه مقارنة بسيطة بينهما:
الصحون الكبيرة:
* تحتاج مساحة.
* أقل كلفه مادية .
*تحتاج وقت للتنظيف بعدها .
*تحتاج مواد استهلاكية.
* مدة الوجبة طويلة.
 * لا يشارك الكل في الجلوس والأكل.
أطباق السفري:
* لا تحتاج إلى مساحة .
* التكلفة المادية أعلى .
* توفير في المواد الاستهلاكية .
* لا  تحتاج إلى وقت وذلك لتوزيعها أثناء الخروج .
*مناسبة أمنيا لأنهاتقلل من التزاحم والتجمعات
*يأخذ منها الجميع ولهذا يتطلب تجهيز عدد كبير للصغير والكبير من الحضور .
*الحفاظ على النعمة من الهدر حيث يأخذمنها من يريد ويتركها لغيره من لايرغب بها .

٢- الخطيب : فالخطابة فن يتميز بالجمع بين الشعر والنثر والقدرة على التصوير وحسن التعبير عن المصيبة .
وهذا يتطلب :
~ معرفة الجمهور الحاضر ونوع الحضور ومستوياتهم الثقافية بحيث يختار المواضيع ذات الفائدة ويبتعد عن كل مايثير الفتنة والبغضاء بين أفراد المجتمع وعن الروايات الغريبة و الأفكار الملتبسة .
~ مراعاة الوقت بحيث يلتزم الحضور على رأس الساعة المحددة وإذا طرأ له مايوجب التأخير في حضوره فينبغي له أن يعتذر من الجمهور الحاضر .
~ مراعاة الوقت المحدد للقراءة وهو خمس وأربعون دقيقة حيث يتم تقسيم الوقت بين المقدمة والموضوع والخاتمة والمصيبة فلا يطيل في جانب على حساب بقية الجوانب الأخرى .
أما الخطيب الذي يقتصر على النعي الحسيني فلا ينبغي له أن يتجاوز النصف ساعة .
~ تقسيم الموضوع على شكل نقاط وفقرات ليسهل على الخطيب إيصال الفكرة إلى عموم الناس .
~ إتقان فنيات الخطابة من حيث اختيار المفردات وتنوع الأساليب والالتفات ألى الجمهور واستخدام الأساليب البيانية كالحماسة والتشويق وعرض القصص المناسبة .
~ وضع جدول بالمحاضرات التي سوف يلقيها في هذه الفترة ويفتح المجال للجمهور للتقييم وإبداء الملاحظات عليها .
~ بذل الجهد في إيصال رسالة الإمام الحسين (ع) لمختلف الشرائح الاجتماعية كالرجال والنساء وكبار السن والشباب والأطفال والمثقفين وعموم الناس .
٣- الأسرة :
للأسرة الدور الكبير في تهيئة أفرادها للحضور في هذه المآتم لذلك ينبغي عليها :
~ أن تحسن اختيار المأتم والخطيب الذي يحقق الفائدة المرجوة لكافة أفراد الأسرة أو تقسيم أفراد الأسرة على المآتم المناسبة لهم .
~ أن تنسق الوقت وتحدد طريقة الوصول للمأتم مشيا أم بالسيارة .
~ أن تعد وقتا لتنظيم وقت الأطفال والتنسيق بين حضورهم للمجالس والقيام بواجباتهم المدرسية .
~ أن تعود الأبناء على تدوين وتلخيص المحاضرات ليتم تداولها ومناقشة مضمونها مع أفراد الأسرة .
~ أن توعي الأبناء بآداب المجلس من الجلوس في المكان المناسب واحترام الكبار وفسح المجال لهم وعدم الحركة والعبث بمحتويات المأتم والحفاظ على نظافة المأتم .
~ أن تحث الأبناء على المشاركة في خدمة المأتم والبرامج المصاحبة له كالتبرع بالدم وقياس الضغط والسكر والإسعافات الأولية وغيرها ممن يستطيع المشاركة .
     ☆إن شهر محرم ليس عبرة فقط بل عبرة ونشاط دائم له أثر بالغ في تنمية الشعور بالمسؤولية لدى أفراد المجتمع وبث روح العمل والعطاء والتضحية والفداء
فالحسين رسالة الخلود .......
والحسين رسالة النبي الأكرم (ص) الخالدة بل هو قلب محمد الناطق حقيقة لا اعتبارا ....
الحسين أكبر مشروع ديني وأخلاقي عرفه الوجود لأنه القرآن الناطق والمتحرك على وجه البسيطة .....الحسين ألق الحاضر وعبق الماضي وإشراقة المستقبل ...
الحسين طبيب الأرواح وبلسم الأجساد ...مأوى الشريد وملاذ الطريد وحمى المظلوم وأمل الفقير .....
الحسين أنشودة الزمن وقصة التاريخ وخلاصة الحياة ....
الحسين كعبة العشاق وقبلة النساك وغدير المتطهرين ......
الحسين هو الحسين وكفى ....
نسأل الله أن يوفقنا لإحياء المناسبة وأن نرتقي بالإمام الحسين (ع) وأن نرزق شفاعته وزيارته قريبا إن شاء الله


الجمعة، 7 أكتوبر 2016

السلسلة الغذائية والتطور

عادل البشراوي


ذكرت سابقا أن الجاحظ في القرن الثامن الميلادي هو أول من تحدث عن مفهوم السلسلة الغذائية (Food Chain). ولهذا المفهوم أهمية كبيرة في علوم الطبيعة والأحياء وله تعلق كبير في التعبير عن القوى التي تدفع بالأحياء للتطور.

ولكي لاندع مجال للخلط فالطفرات ليس لها صلة بمفهوم السلسلة فهذه الطفرات لاتحدث كتأثير خارجي من قوى الطبيعة وإنما هو محرك داخلي يعمل منفردا داخل الكائن الحي. أما علاقته بتغير الكائن واحتمالات نجاحه كنوع أو فشله فهو عملية تكاملية تحدث بتناغم فريد بين قوى الطبيعة وهذا المحرك الداخلي للكائن.

وكما أسلفنا فأهم هذه القوى الطبيعية هي السلسلة الغذائية كما سوف أحاول شرحها في التقرير.

تعريف السلسلة الغذائية:
هي عبارة عن خطوات وراوابط تنتقل ضمنها الطاقة الغذائية عبر الكائنات بين صانعة (Producers) ومستهلكة (Consumers) ومحللة (Decomposers) في بيئة معيشية معينة. هذه السلسلة توضح كيفية ارتباط كائنات البيئة مع بعضها عبر هذه السلسلة.

تبدأ السلسلة الغذائية بالكائنات الصانعة وهي النباتات والطحالب التي تصنع الغذاء من مكونات الأرض الطبيعية الموجودة في التربة وتستفيد من الشمس كمصدر للطاقة في هذه العملية أو بما نسميه التمثيل الضوئي (Photosynthesis).

تأتي بعدها الكائنات المستهلكة وهي على أكثر من مرتبة, تبدأ بالحيوانات العاشبة (Herbivores) ثم المفترسة (Carnivores) ثم المحللة.

وفي تفصيل مختصر, النباتات والطحالب تصنع الغذاء (الطاقة) من مكونات طبيعية كالمعادن لتأكلها الحيوانات العاشبة, وبدورها هذه الكائنات العاشبة تكون غذاء لحيوانات أخرى تفترسها.

من هذا الكلام نستطيع القول بأن الحيوانات سواء العاشبة أو المفترسة لاتستطيع صنع الطاقة (الغذاء), فهي تأخذها جاهزة من النبات والطحالب.

يأتي بعد ذلك دور الكائنات المحللة كالبكتيريا والفطريات لتحلل هذه الطاقة (العضوية) إلى مكوناتها الطبيعية لتعود في دورة لامتناهية.

إلا أننا نستطيع أن نوضح ولو بشيء من تفصيل فنقول بأن هذه السلسة قد تشتمل على أكثر من مستوى من الكائنات المستهلكة, فهناك حيوانات تجمع بين العاشبة والمفترسة كحيوان الدب مثلا, وأن الحيوانات المفترسة تتدرج في منظومة ليتربع على عرشها حيوان مفترس يقع في أقصى هرمها العلوي.

فعلى سبيل المثال, في السفانا الإفريقية نجد تنوعا كبيرا للسلسلة الغذائية يضم الكثير من الحيوانات العاشبة والمفترسة ليتربع الأسد على عرش هذه السلسلة بينما يقع تحته ترتيبا النمر الإفريقي والفهد الصياد والضبع وغيره.

كما أنه ضمن هذه السلسة توجد مرتبة نستطيع ادراجها ضمن الكائنات المستهلكة وهي الحيوانات القمامة (Scavengers) كحيوان الضبع والنسر الإفريقي وهي الحيوانات التي تقتات على الجيف فتسهل من مهمة البكتيريا والفطريات في عملية التفكيك والتحليل.

هذا فيما خص هيكيلية السلسلة الغذائية في الطبيعة, أما عن أهميتها فهو محور كلامنا في كونها من أهم القوى الدافعة لتطور الكائن.

أستطيع تمثيل أهمية هذه السلسلة بالهيكلية والتدرج الوظيفي لأي مؤسسة وشركة.

فالمؤسسات والشركات تقوم على هيكيلية تتسق حسب التدرج الوظيفي لكل منسوبيها, تبدأ بأصغر عامل وتنتهي بالمدير. فالمركز الذي يشغله العامل لايصح أن يكون شاغرا, وكذلك كل المراكز صعودا إلى أن نصل إلى المدير.

فإذا حصل أن تغيب العامل أحدث عطلا بنشاط المؤسسة وكذلك أي مكون آخر بها, لكل دوره وفي كل مرحلة ورتبة يجب أن تستمر سلسلة العمل وإلا تعطل.

وكذلك لو أن الموظفون زادوا عن عددهم المطلوب أو أن المدير جيء له بمدير آخر سوف يربك عمل المؤسسة ويهدد نجاح أدائها.

وهكذا تحديدا مايحدث في السلسلة الغذائية في الطبيعة, عندما يزداد عدد الحيوانات العاشبة بما لاتستوعبه المراعي, أو يزداد عدد الحيوانات المفترسة بحيث تتنافس بشكل أكبر على الفرائس يحدث إرباكا في السلسلة.

هنا تتدخل قوى الطبيعة لمحاولة إصلاح الإرباك الحاصل, فيحاول بعض الحيوانات العاشبة في حال التنافس على الغذاء التحول في غذائه إلى أشياء أخرى غير غذائه الذي أتى من ينافسه عليه. ويتم هذا ليس بطواعية منه ورغبة وإنما لأنه منع من غذائه الذي كان متعودا عليه وفي محاولة لسد جوعه يبدأ في التعرف على غذاء جديد.

في هذه الحالة وعلى مر فترات طويلة من السنين يبدأ الكائن في التكيف مع غذائه الجديد فيتغير لديه نظام الأيض (Metabolism) وقد يتغير فكه وأسنانه وأعضاء أخرى تزيد من موائمته مع غذائه الجديد.