الأربعاء، 19 أكتوبر 2016

يوميات مصرية - الحلقة الثالثة


 زكي السالم 

طوى الجزيرةَ حتى جاءني خبرٌ
فزعتُ فيه بآمالي إلى الكَذِبِ

    وجدتُني وصالحٌ ينقل لي خبره الصاعقة أرددُّ بيت الصديق المتنبي هذا بلا شعور ، وكأني أقنعُ نفسي أن حدثينِ جللينِ يفصل بينهما أسبوعٌ واحدٌ من الصعبِ توافقُهما فدماءُ أهلِنا بالقديح لم تزل عبيطةً في قلوبنا و الآن يدوّي خبرُ تفجيرِ العنودِ من جديد إنها الطامّة بحق ، كعادتي مع رسائل الواتس أكذّبها دائماً وأراها إشاعةً حتى يتبين العكس ولكن هذه المرة كان هذا العكس مع الأسف .. إحساسٌ غريبٌ ينتابُك وأنت بالغربةِ فترى كلَّ مصيبة ببلدك كبرى وإن كانت صغيرة ، فعلاً تعكّر صفوُنا وانقلب يُسر حالنا لعسر وفرحنا لترحٍ وكأني أتلمس صدى البحتري بيننا :

لو تراهُ علمتَ أن الليالي
تركتْ فيهِ مأتماً بعد عُرسِ

    اجترارُ الحزنِ ليس من عادتي واستدرارُ الدمعة لم يكن ديدني أبداً ولم أشأ تعكير هذه اليوميات المرحة بأسىً هنا أو لوعةٍ هناك لكنني لم استطع المرور عليها مرور الكرام وهي لحظاتٌ كانت مريعة لنا وَنَحْنُ نرقبُها عن بعدٍ .

    خرجنا ليلاً نتمشّى لعلنا نزيحُ بعض همٍّ ثقيل علق بِنَا ولكنَ كلما لقِيَنا مصريٌ وعلم اننا سعوديون سألنا .. إيه حكاية التفجير إللي عندكو ، ليُعيدَ مرارته بحلوقنا وليعيدنا الفندقَ من جديد .

    صباحا وفي الثامنة كان لنا موعدٌ مع تاكسي ليأخذنا لمنطقة الهرم وفي 7:50 دقيقة كنّا جالسين بلوبي الفندق ننتظره ولكنه تأخر حتى 8:30 تقريباً ، محسن كان دقيقاً جدا بمواعيدِه ونادراً ما يأتي في موعدهِ بل قبله بربع ساعة أو أكثر ونحن ضمن صفاتٍ حسنة قليلةٍ فينا أيضا منضبطون جدا في مواعيدنا ولذا كان غضبُه وغضبُنا شديدا على السائق وكنا سنفترسه بأسناننا وبألسنتنا الحِداد ولكن اعتذاره المتكرر حال دُونَ أن نحيله وجبةً سائغة في أفواهنا ، انطلق بِنَا كالبرق لمنطقة دَهشور لنرى الهرم المنحني ( المنكسر ) والهرم الأحمر وهي منطقة افتُتحت للسواح حديثاً وقد اختارها الملك سنفرو والد ( الحاج ) خوفو لبناء هرميه هذين وهما أقدم من أهرامات سقارة والتي زرناها مراراً عدة ولذا ارتأينا أن نزور أهرام دهشور هذه المرة .

    كنّا بشهر مايو وكانتِ الشمس قويةً على رؤوسنا والمنطقة صحراوية فكانت أشعةُ الشمس مُحرقة ولكن حبُّ المعرفةِ وشغف الاطلاع جعلها برداً وسلاما في قلوبنا ، محسن كان نعم الدليل والمرشد والمفصّل في شرحه فدخل بِنَا الهرم الأحمر ، كان له بابٌ أو قل كُوَّة يلج منها الزائرون وتحتاج أن تصعد درجاً طويلا للوصول لها فإن لم تكن لياقتك عالية ستخِرُّ في منتصف الدرج ولكنا وبفضل الله لدينا لياقة ( تهدِّ جبال ) فضلاً عن صعود هرم قديم فصعدنا حتى دخلنا من هذه الكوّةِ ثم مشينا في ممر طوله حوالي 60 متراً وارتفاعه 150 سم فدخلناهُ دخولَ مَن ضُربتْ عليه الذلة منحنين بل راكعين تقريبا ويبدو أن الفراعنة العظام ( المدردحين العِفلَنقِيّين ) كانوا يقصدون تركيعَ  الداخل لهم لِيبقوا حالةَ الغطرسة والكبرياءَ قائمةً شامخةً أمام عوادي الزمن ، وطوارق الحدَثان .

     المهم بعد نهاية الممر وجدنا أنفسنا بساحةٍ ضيّقة ارتفاعُ سقفها حوالي 15 متراً وفوقها أطنان من الصخور العملاقة وكل ما يوصلُنا للعالم الخارجي هذه الفتحة التي لا يتجاوز قطرُها المتر فَلَو أطبقَها الحارس علينا لمتنا يأساً قبل موتنا انتحارا أو اختناقاً ، لندع جانبا حديث الموت ولنعد للحياة فبعد جولة قصيرة داخل الهرم الأحمر خرجنا منه ليلفحنا لاهوبٌ حار ولكنه بالنسبة للهرم نسمة باردة عليلة .

    كنتُ قبل مجيئي مصر قد اقترحت على محسن أن يجول بِنَا بالريف المصري فواعدني بذلك حسب ما يسمحُ وقتُنا على حدّ قوله ولكنه وفي طريق عودتنا من أهرامات دهشور مرّ بِنَا بمنطقة ريفية مخضرة الجنان وبها نخل عالٍ ذكرتنا بالأحساء ونخيلها وتلك التعرجات الترابية في طرقِها جعلتنا نعيش الأحساء بمصر واقعا ملموسا ومحسوساً .

    عُدنا فندقنا قبل المساء بعد جولةٍ هرميةٍ وغداءٍ فاخر بأحد مطاعم منطقة الهرم في بَهوٍ كبير مفتوح كان خير فاتح لشهيةٍ كانت على وشك الانغلاق تماماً بما فاجأها من حدث أمس الأليم .

وللحديث بقية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق