عادل البشراوي
بعد جهود ماراثونية مضنية في البحث عن جامعة مناسبة لدراسة ابنتي فاطمة, وجدنا ضالتنا أخيرا في جامعة البحرين. وقد كانت فعلا خيارا موفقا وذلك لأسباب لست بصدد ذكرها هنا.
انتظمت فاطمة في صفوف الجامعة، ومع نهاية دوام أول يوم لها هناك كنت في انتظارها لأعود معها للبيت حيث أننا لم نتمكن حينها بعد من إيجاد سكن مناسب.
بعد أن ركبت السيارة سألتها عن تجربة أول يوم لها في الجامعة فبادرتني قائلة:
بابا, البنات اللي معاي في الصف يتكلموا قطيفي!!
وهنا حقيقة يبدأ مقالي..
فتجربة أول يوم لفاطمة واجهتني أنا شخصيا عندما كنت في المرحلة المتوسطة حين ذهبت لقضاء عطلة الربيع في بيت أقاربنا بالمنامة وكانت تلك أول زيارة لي للبحرين وقد كانت لي حينها ملاحظات عديدة كان أهمها ملاحظة فاطمة.
أستطيع الحديث عن الكثير من المواقف الجميلة والطريفة التي واجهتني في زيارتي الأولى للبحرين, ليس أقلها طرافة تلك الحادثة التي حصلت معي حين أن جاءني قريبي يوما ليقول لي, عادل, غدا سوف نذهب إلى بلاج الجزائر وهو طريق طويل فيجب أن نصحوا باكرا ونتجهز للمشوار.
بدا الأمر ممتعا خصوصا مع طبيعتي المتحفزة فصحوت اليوم التالي باكرا وتجهزت للطريق.
أذكر أننا انطلقنا في ثلاث سيارات مع متاعنا وأكلنا وبعد مسير حوالي نصف ساعة توقفت السيارات الثلاث فالتفت لقريبي أسأله, مالذي حدث لنتوقف؟
أجابني مستغربا, وصلنا!!
حينها وحينها فقط تذكرت أننا في البحرين, وأن وحدات المسافة التي تعودنا عليها في السعودية لاتتناسب مع يوميات أهلنا هناك..
آه, نسيت أن أذكر أن القصة حدثت قبل تشييد الجسر وأن مشوار بلاج الجزائر لدى البحارنة حينها كان بمثابة مشوار لنا للرياض.
كانت أياما جميلة وتجربة مثرية للخيال والروح, وقد أدمنت بعدها الذهاب للبحرين والتواصل مع أهلنا هناك.
الأمر بالنسبة لي لم يكن فقط صلة رحم, وإنما هو شيء أعمق من ذلك بكثير.
لقد أكتشفت هناك امتدادا للوطن وللأهل ولطبيعة الأرض والنخل والبحر.
عندما زرت البحرين لأول مرة وجدت هناك القطيف التي أعشق ولكن بتنوع فريد.
هي نفس الملامح ونفس اللهجة ونفس الناس ولكن بزيادة شارع هنا ومسجد هناك ولكن أيضا كنيسة!
وسوق هو ذاته سوق مياس والشريعة حيث بيت جدي ولكن بضاعته أكثر تنوعا ووفرة.
بدا لي المشهد وكأن بلدتي القطيف زيد لها بعض التفاصيل التي أكسبتها نفحات أكثر شرقية مع أنها وللمفارقة أيضا غربية. هو مزيج فريد وعته ذائقتي الفضولية والتي تهيم في مراقبة التفاصيل.
كبرت وكبر التصاقي بالبحرين, ولولعي بالتاريخ فقد اطلعت على الكثير من الأخبار التي تتحدث عن البحرين قديما فوجدت المشتركات بين المنطقتين تعود إلى بداية التأريخ المدون, وقد لاحظت أن الدول والحضارات التي قامت قديما في المنطقة وكانت عادة تبسط سيطرتها على اقليم البحرين القديم كانت تعتبر أوال (البحرين قديما) والقطيف والأحساء هي الحواضر الأساسية لهذا الإقليم.
تبدو هذه المشتركات جلية في فترات دلمون القديمة وتستمر في فترات الحكم الفارسي الإخميني ومن ثم الهلنستي والفارسي الساساني لتمر بنا في عصور الإسلام ودول العيونيون وآل عصفور وبنوجبر, وحتى وقت قريب كانت هذه المناطق في الغالب تنتمي لهوية سياسية واحدة.
إلا أن المنطقة ومع بداية القرن الثامن عشر واجهت تحولات سياسية عملت على تجزأة الإقليم لتعزل أوال عن الساحل الشرقي لجزيرة العرب فتواجه مصيرا مغايرا لما كانت عليه.
وقد بدأت هناك ظواهر عديدة للفتن وعدم الإستقرار مادفع الكثير من أهلها للإنتقال نحو أماكن متفرقة.
كانت بندرعباس والهند والكويت الناشئة حديثا والأحساء والقطيف وحتى دار السلام في جنوب الشرق الإفريقي ضمن الوجهات التي هاجر إليها البحارنة آنذاك.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن النواة الأولى التي تكون منها المجتمع الكويتي تشكلت قبل حوالي أربعمائة سنة ومع بداية سيطرة الخوالد على الإقليم حيث شكل البحارنة أغلب الرافد الديموغرافي, وقد توالت موجاتهم إلى هناك فشكلت الفترة التي نتحدث عنها أهم تلك الموجات.
على أن المنتقلين إلى الكويت هم في الغالب محترفي المهن البحرية كالقلاليف والطواويش والغواصين وغيرهم, وقد نقلوا معهم تراثهم الفني البحري المميز. بينما توجه فلاحي البحارنة في الغالب إلى الأحساء والقطيف.
ولكن طبيعة الإنتقال تاريخيا لم تكن دائما من أوال إلى الخارج, فهناك فترات كانت حركة الإنتقال معاكسة, فأهم مايحدد الوجهة عادة هو الحالة الإقتصادية والإستقرار السياسي المتفاوت عبر فترات التاريخ.
ولنا في قصة حياة الشيخ جعفر الخطي صاحب السبيطية دلالة كبيرة على هذا الواقع.
فالخطي وهو بن قرية التوبي في القطيف والمتوفي بداية القرن السابع عشر الميلادي كان قد انتقل من القطيف إلى البحرين وسكن جد حفص قبل أكثر من أربعمائة سنة, وقد لايكون وحده من انتقل إلى هناك بل كان معه آخرون انتقلوا لظروف معيشية أفضل وجدوها هناك.
أود العودة لملاحظاتي الكثيرة لأتحدث عن واحدة وجدت فيها تجسيدا للتماهي الثقافي وبدرجة أعلى الإثني بين البحرين اليوم والقطيف وهي حقيقة تستحق التوقف والدراسة وتتمثل في تسمي الكثير من عوائل القطيف بأسماء المدن والمناطق والقرى البحرينية، بحيث نكاد نجد لكل منطقة في البحرين عائلة تحمل إسمها في القطيف، فلدينا عوائل العرادي والماحوزي والدرازي والمقابي والغريافي والمناميين والدمستاني وغيرها، وكأن هؤلاء أبو إلا أن يوثقوا أسماء تلك المناطق بطريقة ملفتة.
نعم نستطيع أن نجد هذه الحالة في مناطق أخرى في العالم ولكن ليس بهذا الزخم الذي يبدو وأن له دلالات علمية برزت لتشكل لي لغزا لم أستطع استدراك مغازيه.
إلا أن التشابه الكبير بين لهجتي أهل وسط المنامة ووسط القطيف هو لغز آخر أود فهمه، وهو لغز لأنني وجدت اختلاف اللهجات بين مناطق في القطيف قد لايفصل عنها سوى شارع بعرض عشرة أمتار كما هو الحال بين الربيعية وسنابس تاروت.
هذه الحالة من التماهي الثقافي والإثني بين القطيف والبحرين وعلى الأقل فيما لاحظت تجعلني افترض توأمة ما بينهما، الأمر الذي أوحى لي بعنوان هذا المقال.
بعد جهود ماراثونية مضنية في البحث عن جامعة مناسبة لدراسة ابنتي فاطمة, وجدنا ضالتنا أخيرا في جامعة البحرين. وقد كانت فعلا خيارا موفقا وذلك لأسباب لست بصدد ذكرها هنا.
انتظمت فاطمة في صفوف الجامعة، ومع نهاية دوام أول يوم لها هناك كنت في انتظارها لأعود معها للبيت حيث أننا لم نتمكن حينها بعد من إيجاد سكن مناسب.
بعد أن ركبت السيارة سألتها عن تجربة أول يوم لها في الجامعة فبادرتني قائلة:
بابا, البنات اللي معاي في الصف يتكلموا قطيفي!!
وهنا حقيقة يبدأ مقالي..
فتجربة أول يوم لفاطمة واجهتني أنا شخصيا عندما كنت في المرحلة المتوسطة حين ذهبت لقضاء عطلة الربيع في بيت أقاربنا بالمنامة وكانت تلك أول زيارة لي للبحرين وقد كانت لي حينها ملاحظات عديدة كان أهمها ملاحظة فاطمة.
أستطيع الحديث عن الكثير من المواقف الجميلة والطريفة التي واجهتني في زيارتي الأولى للبحرين, ليس أقلها طرافة تلك الحادثة التي حصلت معي حين أن جاءني قريبي يوما ليقول لي, عادل, غدا سوف نذهب إلى بلاج الجزائر وهو طريق طويل فيجب أن نصحوا باكرا ونتجهز للمشوار.
بدا الأمر ممتعا خصوصا مع طبيعتي المتحفزة فصحوت اليوم التالي باكرا وتجهزت للطريق.
أذكر أننا انطلقنا في ثلاث سيارات مع متاعنا وأكلنا وبعد مسير حوالي نصف ساعة توقفت السيارات الثلاث فالتفت لقريبي أسأله, مالذي حدث لنتوقف؟
أجابني مستغربا, وصلنا!!
حينها وحينها فقط تذكرت أننا في البحرين, وأن وحدات المسافة التي تعودنا عليها في السعودية لاتتناسب مع يوميات أهلنا هناك..
آه, نسيت أن أذكر أن القصة حدثت قبل تشييد الجسر وأن مشوار بلاج الجزائر لدى البحارنة حينها كان بمثابة مشوار لنا للرياض.
كانت أياما جميلة وتجربة مثرية للخيال والروح, وقد أدمنت بعدها الذهاب للبحرين والتواصل مع أهلنا هناك.
الأمر بالنسبة لي لم يكن فقط صلة رحم, وإنما هو شيء أعمق من ذلك بكثير.
لقد أكتشفت هناك امتدادا للوطن وللأهل ولطبيعة الأرض والنخل والبحر.
عندما زرت البحرين لأول مرة وجدت هناك القطيف التي أعشق ولكن بتنوع فريد.
هي نفس الملامح ونفس اللهجة ونفس الناس ولكن بزيادة شارع هنا ومسجد هناك ولكن أيضا كنيسة!
وسوق هو ذاته سوق مياس والشريعة حيث بيت جدي ولكن بضاعته أكثر تنوعا ووفرة.
بدا لي المشهد وكأن بلدتي القطيف زيد لها بعض التفاصيل التي أكسبتها نفحات أكثر شرقية مع أنها وللمفارقة أيضا غربية. هو مزيج فريد وعته ذائقتي الفضولية والتي تهيم في مراقبة التفاصيل.
كبرت وكبر التصاقي بالبحرين, ولولعي بالتاريخ فقد اطلعت على الكثير من الأخبار التي تتحدث عن البحرين قديما فوجدت المشتركات بين المنطقتين تعود إلى بداية التأريخ المدون, وقد لاحظت أن الدول والحضارات التي قامت قديما في المنطقة وكانت عادة تبسط سيطرتها على اقليم البحرين القديم كانت تعتبر أوال (البحرين قديما) والقطيف والأحساء هي الحواضر الأساسية لهذا الإقليم.
تبدو هذه المشتركات جلية في فترات دلمون القديمة وتستمر في فترات الحكم الفارسي الإخميني ومن ثم الهلنستي والفارسي الساساني لتمر بنا في عصور الإسلام ودول العيونيون وآل عصفور وبنوجبر, وحتى وقت قريب كانت هذه المناطق في الغالب تنتمي لهوية سياسية واحدة.
إلا أن المنطقة ومع بداية القرن الثامن عشر واجهت تحولات سياسية عملت على تجزأة الإقليم لتعزل أوال عن الساحل الشرقي لجزيرة العرب فتواجه مصيرا مغايرا لما كانت عليه.
وقد بدأت هناك ظواهر عديدة للفتن وعدم الإستقرار مادفع الكثير من أهلها للإنتقال نحو أماكن متفرقة.
كانت بندرعباس والهند والكويت الناشئة حديثا والأحساء والقطيف وحتى دار السلام في جنوب الشرق الإفريقي ضمن الوجهات التي هاجر إليها البحارنة آنذاك.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن النواة الأولى التي تكون منها المجتمع الكويتي تشكلت قبل حوالي أربعمائة سنة ومع بداية سيطرة الخوالد على الإقليم حيث شكل البحارنة أغلب الرافد الديموغرافي, وقد توالت موجاتهم إلى هناك فشكلت الفترة التي نتحدث عنها أهم تلك الموجات.
على أن المنتقلين إلى الكويت هم في الغالب محترفي المهن البحرية كالقلاليف والطواويش والغواصين وغيرهم, وقد نقلوا معهم تراثهم الفني البحري المميز. بينما توجه فلاحي البحارنة في الغالب إلى الأحساء والقطيف.
ولكن طبيعة الإنتقال تاريخيا لم تكن دائما من أوال إلى الخارج, فهناك فترات كانت حركة الإنتقال معاكسة, فأهم مايحدد الوجهة عادة هو الحالة الإقتصادية والإستقرار السياسي المتفاوت عبر فترات التاريخ.
ولنا في قصة حياة الشيخ جعفر الخطي صاحب السبيطية دلالة كبيرة على هذا الواقع.
فالخطي وهو بن قرية التوبي في القطيف والمتوفي بداية القرن السابع عشر الميلادي كان قد انتقل من القطيف إلى البحرين وسكن جد حفص قبل أكثر من أربعمائة سنة, وقد لايكون وحده من انتقل إلى هناك بل كان معه آخرون انتقلوا لظروف معيشية أفضل وجدوها هناك.
أود العودة لملاحظاتي الكثيرة لأتحدث عن واحدة وجدت فيها تجسيدا للتماهي الثقافي وبدرجة أعلى الإثني بين البحرين اليوم والقطيف وهي حقيقة تستحق التوقف والدراسة وتتمثل في تسمي الكثير من عوائل القطيف بأسماء المدن والمناطق والقرى البحرينية، بحيث نكاد نجد لكل منطقة في البحرين عائلة تحمل إسمها في القطيف، فلدينا عوائل العرادي والماحوزي والدرازي والمقابي والغريافي والمناميين والدمستاني وغيرها، وكأن هؤلاء أبو إلا أن يوثقوا أسماء تلك المناطق بطريقة ملفتة.
نعم نستطيع أن نجد هذه الحالة في مناطق أخرى في العالم ولكن ليس بهذا الزخم الذي يبدو وأن له دلالات علمية برزت لتشكل لي لغزا لم أستطع استدراك مغازيه.
إلا أن التشابه الكبير بين لهجتي أهل وسط المنامة ووسط القطيف هو لغز آخر أود فهمه، وهو لغز لأنني وجدت اختلاف اللهجات بين مناطق في القطيف قد لايفصل عنها سوى شارع بعرض عشرة أمتار كما هو الحال بين الربيعية وسنابس تاروت.
هذه الحالة من التماهي الثقافي والإثني بين القطيف والبحرين وعلى الأقل فيما لاحظت تجعلني افترض توأمة ما بينهما، الأمر الذي أوحى لي بعنوان هذا المقال.

تسلم ايدك
ردحذففعلا حضاره وحده واهل ولما نروح السعوديه نحس بغربه مع ان بلد شقيق لكن تحس انك مو في بلدك..لما تدخل القطيف تحس الديره ديرتك والمكان مكانك..علىمر السنين تقاسمنا الحلوه والمره فعلا والاثباتات موجوده لليوم
تسلم ايدك
ردحذففعلا حضاره وحده واهل ولما نروح السعوديه نحس بغربه مع ان بلد شقيق لكن تحس انك مو في بلدك..لما تدخل القطيف تحس الديره ديرتك والمكان مكانك..علىمر السنين تقاسمنا الحلوه والمره فعلا والاثباتات موجوده لليوم